في مكتبــة أبي

ذات يوم، قطف أبي ورقة الرّزنامة التي تحمل رقم 20، وجلس في مكتبه يكتب :اليوم هو العشرون من تموز عام 1992، ولد حمزة، وكانت ورقة الرّزنامة في هذا اليوم تحمل في سطرها الأخير -كما العادة- شطر بيت من شعر المتنبي، “وخير جليس في الأنام كتاب”.

لا تخبروا أبي بهذا، لأنّه لا يعلم بعدُ أنّني قد اطّلعت على مذّكراته الخاصّة، ولا يعلم أيضاً أن ذلك ما كان يدفعني للنّوم في مكتبته في كثير من الأيّام، بالمناسبة، كانت مكتبة باسقة، تسند ظهرها على جدران ثلاثة، وتضم إلى صدرها كثيراً من الكتب.

تجد فيها كتباً هرمت، واحدودبت أغلفتها، وبان في صفحاتها سمار الجدّات، وتجاعيد أكفهن، وكتباً تحمل في أغلفتها سيوراً مذهّبة، تقف في صفوف منتظمة، وكتباً أخرى غضّة نضِرة، تتباهى بألوانها وعناوينها في الرّف الأدنى من المكتبة.

كل كتاب عالَم قائم بذاته، تلِج إليه في الصّفحة الأولى، وتخرج منه مغلقاً خلفك صفحته الأخيرة، لكن عند مغادرتك، لا بدّ أن يعلق بك أثر من ذلك العالم، يعلق بعقلك، أو روحك، أو فكرك، أو سلوكك، أو تغادر حاملاً في وعيك شيئاً ثميناً، لنقل أنه بمثابة حجرٍ كريمٍ، تحتفظ به، وتضعه في مجموعتك الخاصة.

أما الكُتّاب، فمنهم العالم الجليل الذي تشدّ له الرّحال، وتحنى في مجالسه الرّكب، ويستقى من مناهل علمه، ومنهم صاحب الخبرة، تجلس إليه، فينصحك ويرشدك، ويهبك خلاصة خبرته، ودروس تجاربه، ومنهم المربّي، من يربّت على قلبك، ويشدّ عضدك، وينهضك من عثرتك، ومنهم المعلّم الذي ينير لك الطّريق، ويسلك بك السّبل، ويحفظك من الشّتات، منهم من يخاطب عقلك، ومنهم من يخاطب قلبك، منهم من يناكفك، ومنهم من يستفزّك، منهم من يهمس في أذنك، ومنهم من يصرخ في وجهك.

لازلت أذكر الأيّام التي قضيتها في مكتبة أبي، كنت أصحب الشّيخ علي الطنطاوي في الترام، إلى مكتب عنبر، منصتاً إلى أحاديثه الشّهية، وأسير مع نجيب الكيلاني إلى جبال تركستان، لأرقب نظراته المعلّقة في أشباح رجال قضت هناك في سبيل العزّة والكرامة، وأسافر مع المنفلوطي إلى ولفاخ لأزور قصر ماجدولين، وأستمع إلى مقطوعة من معزوفات استيفن، تحملني إلى مجالس شعر شوقي وإقبال، حيث يجري البيان السّامي متدفقاً كنهر النّيل، النّيل الذي يذكّرني بالرّيف المصريّ، حيث أيام طه حسين التي يعرض شريطها عبر نظارته السّوداء، التي أنارت بصيرته الأدبيّة، ولا بدّ من زيارةٍ للعقادِ في مكتبه، وقراءة سطور في عبقريّاته الجميلة، لينتهي اليوم بجلسة هانئة، في ليلة دافئة، يرتّل فيها وحي الرّافعي، ومناجاته في حديث القمر.

لم ينقطع حبي للقراءة والكتب حتى اليوم، ولا زلت أعصر من مداد الكتب في دواتي، علني أكتب بها يوماً كتاباً، يوضع في مكتبة أبي.

أضف تعليق