يا سيدي أريد أن أقول لك وبدون مقدمات، أنا لا أطيق اللحم، نعم ما قرأته صحيح، وهذه الاستغراب الذي ارتسم في ملامح وجهك، أنا معتاد عليه في كل مائدة أجلس فيها، ليس اللحم فقط، والمخلل أيضاً، القائمة تطول، وحدقة عينك ستتوسع عند كل نوع سأذكره لك، ثم ستقول لي أني محروم من هذه الطيبات، وخسران، وعليّ أن أكسر هذا الوهم الذي أعيش فيه، وعبارات أخرى أحفظها عن ظهر قلب، سأستمع إليك مبتسماً حتى تنتهي، ثم أقص عليك قصتي مع كسر ذلك الوهم الكبير الذي تتكلم عنه.
ذات يوم من أيام الصيف الجميلة، دعيت إلى عشاء عند أحد الأصدقاء، وكانت جلستنا في الهواء الطلق، بين أحضان الأشجار، ونسمات الليل العليلة، كان كل شيء جميلاً، حتى اللحظة الأخيرة، حين أتى بمجمر شواء، وطبق كبير تصطف عليه سياخ اللحم، الذي يستجير ويتضرع بأن لا تكون نهايته في ذلك المجمر، تلألأت أعين الأصدقاء، وبدأ لعابهم يتدفق، ومعداتهم تصفق وتصفر من حماسها، و”محسوبك” قبضت ابتسامته، واكفهر وجهه، وترقرقت الدموع في عينيه.
وضعت يدي على معدتي أواسيها في فاجعتها العظيمة، وانبرى لساني للدفاع عنها فقال لصاحب الدعوة: ألا تعلم أنّا لا نأكل اللحم يا هذا، فأجاب: بلى بلى أعلم، وحمل سيخاً يتقاطر دهناً، أغمض عينيه، واستنشق كل الهواء المحيط به، ثم أكمل: اللـــــه!، ما هذا الجمال، ما هذه الرائحة التي تقشعر لها الأبدان، ثم التفت إليّ وقال: نريد أن تكسر هذا الحاجز اللعين وتبدأ بأكل اللحم يا رجل، فوالله حارت نساؤنا في طعام لا يدخل اللحم في مكوناته لتكرمك به، انظر إلى هذا الخصر النحيل، الذي يتراقص فوق مجمر الشواء، إنه والله أعيا الشعراء والأدباء، والفلاسفة والحكماء، وجعلهم يثنون في مجالسه الركب، ويشمرون عن السواعد، ولا يخشون في الله لومة لائم، ثم تأتي أنت لتقول لنا بأنك لا تستطيع إلى تقبُّله سبيلاً، جرّب، جرّب يا أخي ولن تخسر شيئاً، وإن لم يعجبك فأنا مدين لك بملوخية توحّد خالقها مع هذه الوجوه الطيبة، وأمسك طرف شاربه لتأكيد وعده ذلك.
وكنت فيما مضى حين أدعى إلى وليمة كتلك، ولا يعرفني صاحبها، ألف رغيف خبز على نفسه وآكله، متظاهراً بأني قد وضعت فيه شيئاً من اللحم، آكله على عجل، وأعتذر متذرعاً بمشاكل في المعدة، من عسر هضم وغيره، لكن اليوم لا مهرب من تجربة اللحم، مع كل ذلك الجوع الذي يخيم في ساحات المعدة، فوافقت على اقتراحه، وقلت لنفسي إن اليوم يوم فراقنا، وإني والله قد عزمت على تناول ذلك الشيء الذي يقطر فوق النار التي تشويه عرقاً، ويملأ الأرجاء ضجيجاً، فإن أبيتِ فعليك ببيت أهلك فالزميه، حتى يقضي الله هذا الأمر، وامتدت المائدة أمامنا طويلة، وتوزعت الأطباق الصغيرة في أرجائها، تصطف في عراضة تزف الأطعمة إلى خدرها في معداتنا الكبيرة.
استللت أحد السكاكين القريبة، اقتطعت جزءاً صغيراً جداً من اللحم المشوي، وضعته في رغيف خبز كامل، ودفنته بكل المقبلات الموجودة على الطاولة، حتى اختفت ملامحه تماماً، طويت الرغيف على بعضه، ثم جلست أتأمله، وملامح وجهي لم تكن تصدق مثلي تلك المحاولة الجريئة، أنظر إليه تارة، ثم أنظر إلى الأصدقاء الذي قلبوا على ظهورهم ودمعت أعينهم من كثرة الضحك على ذلك المشهد الذي يرونه، أغمضت عيني، ثم التهمت طرف الرغيف، وابتلعته بسرعة، لكن لم يكن هناك طعم آخر سوى طعم عجينة الخبز، فتحت عيني لأجدني اقتطعت جزء صغيراً جداً من الرغيف، ولم أصل إلى اللحم وما حوله بعد، قهقه الأصدقاء من جديد، مما دفعني إلى أن أغمض وألتهم ربع الرغيف في لقمة واحدة، أفرغت خلفها ليتر ماء، وصرخت في وجوههم لقد فعلتها، نعم لقد تناولت لتوي لحماً مشوياً، لأول مرة في حياتي، ولم أسلم بعد ذلك من التعليقات :” يلي بيسمعك عمتحكي هيك بقول أكلت خاروف مكتف “، واستمروا بالضحك، عدت إلى رغيفي الذي يعكس في عيني كل ألوان الطيف بمكوناته، تسللت إليه بأصابع يدي اليمنى، وانتزعت قطعة اللحم المتبقية فيها، ورميتها إلى قطة كانت تحوم في الجوار، كانت صغيرة جداً لدرجة أن القطة رمقتني بنظرة لم أفهمها: ربما أرادت أن تقول لي:” الله يسامحك.. كان صغّرها أكثر من هيك “، لم ألتفت إليها ثانية، وأكملت الرغيف الذي كان يحوي من كل شيء وضع في المائدة عدا اللحم الذي لم يجد إلى معدتي سبيلاً بعدها، ثم انصرفت إلى الحمام لأتفقد ملامحي بعد ابتلاعي لقطعة لحم لا يتجاوز حجمها حجم تمرة صغيرة، عدت بعدها لأستمتع بكأس شاي يختمر مزيجه بين قطع الحطب المشتعلة، فيجلو عني غمة تلك الليلة التي طلقت فيه اللحم ثلاثاً من أول يوم للقائنا، شاتماً بيت نزار الذي يقول فيه: ما أجمل اللقيا بلا ميعاد.
عم أقول لمين طالع 😉😉😉😅
إعجابإعجاب