كلمات إلى أمي – رحمها الله –

إنّني لم أرحل بعد، لازلت أقف هنا، على حافّة السّماء، ملتصقاً بأعتابها، أقف مثقلاً بمشاعري، منتظراً عودتك كلّ يوم، مع الطّيور العائدة.

ربما كبرت في كلّ شيء، لكنني لازلت طفلاً، يتجرّع الغياب، يقلّب النّظر في كلّ الزّوايا، لعلّ وجهك يشرق في إحداها مرّة أخرى، يتخبّط كعصفور مبلّل، في سماء ثائرة، لا غصن تحتها يأوي إليه.

أشتاقك، بحجم بعدك الذي ليس له واحدة قياس ماديّة تعبّر عنه، ربما هو بحجم المسافة التي كنت أباعد فيها بين كفيّ حين أجيب عن سؤالك كم تحبّني: “كتير، قد هيك يعني”، تلك المسافة كانت أكبر شيء يمكن أن أتخيّله ربّما، في تلك الأيام.

أشتاقك، قلبي صواعٌ في رحالك، ولا سبيل إلى قوافل الرّاحلين، أتصدّقين!، إلى يومي هذا لم أعِ ذلك الرّحيل، كأنّي أبحث عنه في قاموس، يحمل فوق أوراقه مصطلحات دون بيانٍ لمعانيها، عاجزةً حتى عن فهم نفسها، إلى يومي هذا لم أعتد فراقك، أو ربّما لا أريد أن أعتاد.

تائه أنا دونك، كليل بلا قمر، كنجم بلا ضياء، كشعر بلا قافية، كروضة بلا أزهار، كقارب دون وجهة، كقلب دون نبض، كجثة بلا روح، ومنذ رحيلك وأنا أبحث عنك.

أبحث عنك في قعر فنجان قهوتي، كلما احتسيتها، في رائحتها التي تعارك رائحة الصّباح، وتغلبها في كل مرّة.

أبحث عنك في عيون الأطيار الغادية، والرّائحة، وبين أجنحتها، التي تحملها حيث أحبّت، في وطن السّماء الذي لا حدود لجغرافيّته.

أبحث عنك في ذرّات النّدى، التي ينثرها الصّباح فوق جبين الأرض، حين تذوب خجلاً من قبلة الفجر الأولى.

أبحث عنك في رذاذ الأمواج، التي تنكسر على حجارة الشّاطئ المرصوفة بعيداً جداً.

أبحث عنك في براعم الأشجار الصّغيرة، في خطوط أوراقها التي تشبه ملامح كفك التي اعتدت تقبيلها.

أبحث عنك في البخار المتصاعد من قِدْرِ جارتنا، كلما همَّت بطبخِ حساءٍ، وتحلق حولها أطفالها كقطط المنازل.

أبحث عنك في قطرات المطر، حين توقظني بطرقاتها على نافذة غرفتي، في صباح شتويّ بارد.

أبحث عنك في كل خيط ينسلُّ إلى غرفتي، من النّجوم المرصوفة في جدار المساء.

أبحث عنك في تفاصيل القمر، كلما طلع ليكون منارة العشّاق، وتوقَّد ضياؤه من زيت الأفئدة الهائمة به.

أبحث عنك في الذّكريات، التي لا بد لها أن تسامر نصف ليلي الأوّل، قبل أن تغفو بين الأحلام.

أبحث عنك في مقدمة كلّ كتاب، بين الفصول، في السّطور، في الفهارس، وأبحث عن نفسي في هوامشه.

أبحث عنك في الطّائرات التي تهبط كلّ يوم في مدارج مدينتي، في وجوه القادمين والمغادرين، في حقائبهم الجميلة، التي تحمل الكثير من الذّكريات.

أبحث عنك في طوابع البريد، كلما ابتسم في وجهي ساعي البريد، وسلّمني ظرفاً لا يحمل في جوفه إلا فاتورة، تنتظر أداءها.

أبحث عنك في الفاكهة التي يرتبها جارنا البقّال كلّ يوم، وهو يغنّي لها أغاني الفراق.

أبحث عنك في وجوه المارّة، حين أقف بسيّارتي على إشارة حمراء، في شارع مزدحم.

أبحث عنك في خطوط الدّالية، التي تبدأ من تربة أرضنا، وتنتهي ربّما في مكان يشرق فيه وجهك.

أبحث عنك في تجاعيد أكفِّ العجائز، اللواتي يجلسن في عتبات البيوت، يتبادلن قصص المراهقة والحبّ، ويبتسمن.

أبحث عنك في الصور المعلّقة على الجدران، ذكرياتٍ محنّطةً في متحف الأيّام.

أبحث عنك في صوت فيروز صباحاً، وأم كلثوم مساءً، وهي تغنّي: “أراك عصي الدّمع شيمتك الصّبر”.

أبحث عنك في مناجاة العاشقين، في أنّات المساكين، في دموع المتبتّلين، في دعوات المصلّين، وتكبيرات الحجيج والمعتمرين.

أبحث عنك، وفي طريقي إليك، أبحث عن نفسي.

سلاماً لقلبك كلّما أشرقت شمس النّهار، وأشرق هو، ليكون شمس الحياة.

أضف تعليق