لماذا نكتــب؟

عند مرورك بعد منتصف الّليل في زقاقٍ يضمُّ غرفةَ كاتب، وترى فيها المصباحَ يبذل قصارى جهده لينير العتمة التي تحيط به من كلِّ الجهات، وتسمع طرقات أصابعه على لوحة مفاتيحه، ستظنّه مجنوناً، أو يحمّل نفسه مالا تحتمل، في سبيل صنع كتاب، أو إنشاء مقالة، يقرؤها أحدهم على عجالة ثم ينصرف، وقد نسي كثيراً من تفاصيلها، لكنْ لو طرقتَ عليه بابَه وسألتَه سؤالاً واحداً، أنتم الكتّاب، لماذا تكتبون؟، سيدعوك لشرب شاي ساخن ويجاوبك:

نكتب لنرى أنفسنا بوضوح، نمسك بالقلم ونسوِّد صفحةً كاملة، نحاول أن نصنع منها مرآةً صافية، تعكس إلينا صورتنا عندما ننظر إليها، صورتنا الحقيقية، دون شوائبنا النفسيًة، أو انتفاخاتنا الفكريًة والفلسفيًة.

نكتب لنعيش آلامنا، لا لنهرب منها، ننثر المعاناة جمراً فوق السًطور الممتدة بعيداً، ونمشي عليه، بأقدام حافية، نكتوي، نصرخ، نبكي، نعالج تلك الآلام بكيّها، ننزفها في هوامش الصّفحات، ثم نخلد إلى النّوم.

نكتب لنُحنّط ذكرياتنا، فتلك الكلماتُ المنتشرة في صفحاتِ دفاترنا القديمة، بمثابة زهرة البنفسج التي تضعها قارئة في منتصف رواية “قواعد العشق الأربعون”، تُطبِقُ عليها، وتعيد الرّواية إلى مكانها في المكتبة، ثم تعود بعد سنة لتتفقّدها، تبتسم، وتتمتم بشفاهها: أعشقك.

نكتب لنربِّتَ بكلماتنا على قلبِ مفؤودٍ بائس، يحمل في يده مجموعةً من أزهارِ الجوريّ، ويقف بظهره المتقوِّس الذي نحتته رياح الطّريق تحت إشارةِ مرور، ينتظر اللّون الأحمر، ويرقب الكفَّ التي تمتدُّ إليه من نافذة سيارةٍ فارهة تقف بجواره، لتأخذ إحدى الأزهار، مقابل بعض النُّقود المعدنيّة، يبتسم، يهزُّ برأسه شاكراً، غير آبهٍ بالوحل الذي تطاير إلى ثيابه تحت ضغط عجلات تلك السيارة.

نكتب لنحمل كومة حطب عن كاهل امرأة عجوز تمشي القفار، تجمعه، لتشعل به ناراً، تطبخ عليه حساءً لأطفالها، حساءً من مرق ودقيق، يحفظ عظام أقفاصهم الصدرية التي يرتدونها من أن تنكسر، فتعرى أجسامهم.

نكتب لنمسح دمعةَ رجلٍ مسنٍّ، ترتجف يده في ليلة باردة، يكسر صَمتَها صخبُ الأمطارِ المنهمرةِ على خيمتِه التي يعيش فيها منذ ثمان سنوات، بعيداً عن أحجار بيته الذي بناه يوماً بتلك اليد المرتجفة، وأصبحت الآن فتاتاً يغطي جسد الذّكريات والأيام الجميلة، التي كان يقضيها في تقليب حبّات الكستناء، فوق سطح المدفئة.

نكتب لنواجه الظّلم، نصهر أقلامنا في بوتقة الكتابة، نصنع منها سيفاً أمضى من الرّصاص، ننازل به الظّالم في عقر داره، نَبترُ عنجَهيَّتهُ، وندوس كبره، نذكّره بأنه سيف الله في أرضِه، ينتقم به، ثم ينتقم منه.

نكتب لنصدح على مآذن البيان، حيَّ على القيم العظيمة، والأخلاق الفاضلة، حيَّ على الإنسانية أيها الناس، ننير المحراب لجبهة سامقة تسجد لخالقها في سكينة، ثم تلتفت لتقول: اخلعوا عنكم أرسان العنجهية يوماً أيها الناس، كونوا بشراً، “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه”، “لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتّقوى، التّقوى ههنا”، في القلب، وليس في القشور المصطنعة، في الحياة التي نعيشها، لا التي ندّعيها.

نكتب لننير طريق الأجيال القادمة، نشعل زيت حروفنا في منارات سبيلهم إلى المستقبل، ليكملوا بعدنا، وينيروا درب الأجيال التي تليهم.

نكتب لنعيشَ حيواةٍ خالدةً، نترك أرواحَنا في المكتبات، ثم نمضي إلى مثوانا الأخير، تُدفَن أجسادنا، لكن كلماتنا تجالس أحدهم في صباحِ يومٍ مشمس، يمسك كتاباً لنا ويقرأ، يبتسم، يرشف من فنجان قهوته “السّادة”، ليخفف من مرارة الفقد.

نكتب لنبحر بمركبٍ خشبيٍ قديم بين أمواجِ الذاكرة، نجذِّف بأقلامنا، ونفرغ بأغطيتها الماء الذي يتسلل إلى المركب، تبتلعنا موجةٌ شاهقة بعد منتصفِ الليل، نَركُل بأرجلِنا ونحرِّك أيدنا، نطفو على السطح، لتعود موجة أخرى فتُغرقَنَا، تمتلئ أجوافُنا بمياه الذّكريات، نغيبُ عن الوعي، لنستيقظ صباحاً على شواطئ يومٍ جديد.

نكتب لنرتمي فوق سحب الخيال، نركب أقلامنا كمكنسة الساحرات، تجول بنا عالمه البديع، نمر في طريقنا على مدرسة هوجورتس، نستعير عصى هاري بوتر، ونتعلم من العجوز دمبلدور بعض الحيل السّحرية، ثم نعود لنطبقها على كلماتنا، فتتحول بين يدي قارئها من كلمات يقلّب نظره بينها، إلى حقيقة يشاهدها ويعيشها.

نكتب لنعيش أيامنا المعدودة في عالمِ الكلماتِ الفسيح، بعيداً عن هذا الكون الضيّق، وقوانينه المُتعِبة، فالكتابةُ خيرُ ملاذٍ للأرواحٍ المُتعَبة، على الرغم من أنها تقتاقُ قلوبِ تلك الأرواحِ دون رحمة.

أضف تعليق