بحكم عملي المقسّم بين مدينتيّ اسطنبولَ وطرابزون، كُتب عليَّ أن أسافر ثلاثَ مراتٍ في كل شهر بينهما، أبقى في كلِّ مرّةٍ ساعتين معلقاً بين السّماء والأرض، على متن طائراتٍ تكسر قيودها في مدارج الإقلاع، وتصرخ بمحرّكاتها ثائرةً في وجه قوانينِ الفيزياء، ثم ترمي بنفسها في السّماء التي تحملها بعيداً.
السّفر عبر السّماء ممتع، لكنه يصبح متعباً مع مرور الأيام، فللزّمان في الطّائرات وزنٌ ثقيل، وعلى الرّغم من أنّها تختصر الكثير من الوقت، إلا أنها تضغطه وتُثقِل به كاهل ساعتك التي تراقبها طوال الرّحلة، علّها تجهز عليه بمقصلة عقاربها، فتهبط الطّائرة، وتخرج إلى العالم الذي اعتدت عليه من جديد.
أن تحجز مقعدك في درجة رجال الأعمال وأنت مسافر، يعني أن تمنح نفسك عدّة سنتيمترات إضافية عن حجم المقعد المخصص للمسافرين عبر الدّرجة الاقتصادية، مع ذات حزام الأمان، الذي تلفه حول خصرك، وتضبط طوله بما يتناسب مع طبقة الشّحوم المتراكمة فوق معدتك، معبرةً عن مدى مراقبتك لنظامك الغذائيّ، بالمناسبة، تلك السّنتيمترات الإضافية ستتيحُ لك فرصةَ الاستمتاعِ بطبق لذيذٍ جداً، تقدّمه لك مضيفةٌ تبتسم طوال الوقت، وتراقب سبّابتكَ ترتفعُ لتطلبَ شيئاً.
تمنحك درجة رجال الأعمال إطلالة “مترين في ثلاثة” على عالم الطّبقة المخمليّة، فترى أكمامَ بزَّة رسميّةٍ باهظةِ الثمن، تنكشف عن ساعةٍ تحمل في جبهتها علامة تجاريّة ذائعة الصّيت، تتحلق حول معصم يدٍ تحملُ هاتفاً ذكياً، يتناسب ثمنه مع مكانة الأسماء المخزّنة في جهات اتّصاله، تتفقده كل يوم السّيدة التي تجلس في القرب، وتخفي نظراتها خلف زجاج نظارة “كوتشي 3645″، انتظر، أعلم أن فضولك سيقودك إلى البحث عن شكل هذه النّظارة في “جوجل”، أكمل قراءة هذا النّص قبل ذلك، ثم اذهب خلف فضولك، اتبعني الآن خلف هذه السِّتارة التي تفصلنا عن المسافرين في الدّرجة الاقتصاديّة، فهناك العالم الحقيقيّ الذي نعيش فيه، والوجوه التي اعتدنا أن نقرأها كلّ يوم في سطور المدن ونراها في أزقتها المكتظّة بالسكان.
انظر إلى النافذة المطلّة على السّماء من المقعد A12، هل ترى ذلك الصبيّ كيف يراقب السُّحب التي نمرُّ فوقها الآن، إنه يبحث فيها عن حبات المطر التي ستبللُّ شعره الذهبيّ بعد قليل، عندما يخرج من باب الطّائرة.
خلفَهُ مباشرةً سيدةٌ تَقَدَّمَ بها العمرُ كثيراً، تراقبُ كل شيءٍ يُحيط بها، وتنبشُ ذكرياتٍ عن أسفارها القديمة، أيام كان التنقُّل في حافلاتٍ تنفثُ من عوادمِها سُحباً سَوداء، تهربُ منها رئةُ المدخنينَ والأصحاء، الكبارِ والصغار، وتنظر -تلك السيدة- في دهشةٍ إلى الشّاب الجالس قربها، وهو يهزّ رأسه على إيقاع موسيقى راب، تنبعث من سمّاعاته الحمراء الضّخمة التي يضعها على أذنيه.
في الجهة المقابلة خرّيجٌ جامعيٌّ طازج، يقلِّب بأصابعِ يده -ذاتِ البشرةِ البيضاء- أوراقَ سيرتهِ الذّاتية، قبل أن تهبط الطّائرة، ويتوجَّهَ لإجراءِ مقابلةِ عملهِ الأولى، وبقربه رجلٌ خمسينيٌّ اصطبغتْ بشرتُه في ساحاتِ العمل، تحت سياط شمس الصّيف، يقول بينه وبين نفسه: ليتني أكملت دراستي، ولا يدري أن سياط مقابلات العمل، وسياط “وساطات القبول” والتّوظيف، أشدُّ وطأً من سياط الشّمسِ التي جلدت بشرته.
في الخلف هناك، في المقعد E25، شاب يُخرِج من جيب مِعطَفه الداخليّ وردةً ذاتَ تلافيف حمراء، يلتفُّ بين أوراقها شريطٌ حريري أحمر، يلتمع كلما تعرض لشعاع الضّوء المنبعث من النّافذة، منافساً بريق جوهرة الخاتم المختبئ بين التّلافيف، يقدّمها إلى خليلته، ثمّ يقرأ لها كلماتٍ كتبَها مساءَ البارحةِ في ملاحظات هاتفه النّقال، كي لا يتلعثم في ارتجالها، يقرأ معبراً عن حبِّه، فللحب في السماء طعمٌ آخر، يفتقده -ربّما- ذلك الجالس خلفهما من الجهة المقابلة، انظر إليه كيف ينظر إليهما، ثم ينظر في الدبلة التي تخنق بنصر يده اليسرى، محاولاً أن يقول له : ندمان يا سيدي، لا تقهقه بصوتٍ عالٍ، فصديقنا الذي يجلس هنا في المقدّمة يزجِّي الوقتَ بقراءة صفحات من رواية سجين السّماء.
كل تلك الوجوه التي تراها على متن الطّائرة، تحمل خلفها الكثير من الآمال والآلام، قد تبدو لك ملامحها صامتة، لكنها تثرثر أكثر مني ومنك، وصوتُها يعلو على صوت محرّكاتِ الطّائرة التي بدأت تنخفض، هذا يعني أن علينا أن نجلس ونربط حزام الأمان، ونستعدَّ للهبوط، وبإمكانك بعدها أن تذهب لتبحث عن نظّارة “كوتشي 3645”.
نلتقي في نصٍّ قادمٍ ورحلةٍ جديدة … في أمانِ الله.