الجمال

الجمال!، ما هو الجمال؟ هذه الجملة بشقّيها، التعجبيّ، والاستفهاميّ، هي ما أسمعه دائماً، من كلّ زائر لأحد حساباتي في مواقع التّواصل الاجتماعيّ، بعد أن يقرأ النّبذة التعريفيّة: (في حبّ الكتب، والجمال، والثّورة، وعلى أمل بالنصر)

فعلاً، ما هو الجمال؟ وهل يمكن لأيٍّ منا أن يضع لهذا المصطلح البديع تعريفاً واضحاً، أو مقاييس تضبطه وتقيّمه، إن ذلك صعب للغاية، فالجميل في نظري، قبيح في نظر شخص آخر، والقبيح في نظره جميل في نظري ربّما، بالمناسبة، ولإثبات حجّتي لك في هذه النّظرية، أريد منك أن ترتدي أجمل ربطة عنق في خزانة ملابسك، وتلتقط لنفسك صورة، وتنشرها في صفحتك الشّخصيّة، وتطلب من الأصدقاء أن يبدو آراءهم بربطة عنقك، وأنا سأنتظرك هنا، عند هذه الفاصلة، ستعود وتخبرني أنني كنت على حق، فنصف التعليقات التي قرأتها، تفيد بأنّها غير جميلة، تريد رأيي؟ إنّها جميلة، لا عليك منهم، اتبعني إلى السّطر التّالي، لأحدّثك عن الجمال.

الجمال يا صديقي، هو بمثابة روحٍ لكلّ شيء تقع عينك عليه، فإن ألفت روحك تلك الرّوح، رأت عيناك ما تبصره جميلاً، وإن لم تألفها – نسأل الله العافية من ذلك – انقلب ذلك الجمال قبحاً، تعافه النّفس، وينصرف عنه النظر، الجمال يا صديقي، هو الرّوح التي تنفث في تفاصيل الأشياء واللّحظات، فترتعش وتحيا.

هل تأمّلت يوماً منظر السّحب التي تسافر في السّماء، وهي تمرّ بالجبال فتداعب قممها، وتسري إلى الشّمس فتغطّي وجهها عن الأرض، ثم تنكشف، تماماً كأمٍّ تلاعب صغيرها، فتغطي وجهها بكفيها، ثم تكشفه قليلاً وتبتسم، فيرتعش طفلها ويضحك.

هل تأمّلت يوماً طفلة تجري خلف أبيها، تريد أن تودّعه قبل أن يذهب إلى عمله، تحاول جمع أصابع كفّها الصّغيرة، علّها تستطيع أن تضمّ كفّ أبيها، ثم ترتمي في أحضانه، وتطبع على خدّه قبلة صغيرة جداً، وتنظر في عينيه وتبتسم.

هل تأمّلت يوماً قصبة خطّاط، تغوص في أعماق دواة الحبر، ثم تخرج إلى القرطاس، لترسم حرف حاءٍ بخط الثّلث، ثم تلصق بها باءً، دون أن تضطرّ لرشفة حبر أخرى، وكأنها تعلم أسرار الحبّ، وتفقه فلسفته العظيمة، وتعلم بأن نبض قلبين تحابّا إنما يحمل دماً واحداً يغذي جسدين، يتراقصان على أنغام صريره.

هل تأمّلت يوماً ملامح وجه فقير أتعبته الحياة، حين تمتد إليه كفُّ خيرٍ، تمسح عنه أدران الأيام، وتمنحه قوت يومه، فتجري دمعة ساخنة في أخاديد ذلك الوجه فرحاً، وتنفرج أساريره ويبتسم: شكراً.. أحسن الله إليك.

هل تأمّلت يوماً عائداً من سفر طويل، وهو يهرول خارجاً من بوابة المطار، يهرول ثم يلتحم جسده بجسد أحد المنتظرين لحظة لقائه منذ زمن طويل، فيحلقان في الهواء، ويهمسان بكلمات متقطعة: اشتقت إليك كثيراً.

هل تأمّلت يوماً في أزهار حديقتك، وأنت تسقيها، كيف تتراقص فرحاً وطرباً، حتى إن مزّقتها فلن تفوح إلا عطراً.

هل تأمّلت جبهة سامقة، تسجد لله في خشوع، وخضوع، وسكينة، وتسأله العفو والسّموحة، معترفة بذلّها وتقصيرها.

هل تأمّلت كل هذا الجمال من حولك؟

أطلق العنان لقلبك، تجد الجمال، هذّب أخلاقك، تجد الجمال، طهّر روحك، تجد الجمال، عندها حتى لو ارتديت ربطة عنق غير جميلة، ستبدو جميلاً، “ومن نفسه بغير جمالٍ، لن يرى في الوجود شيئاً جميلاً”.

أضف تعليق