ذات يوم، كان ابن أخي الأكبر يمرح في حديقة المنزل الصّغيرة، ملاحقاً فراشة ملوّنة، تبحث عن قوت يومها بين أزهار نيسان.
نيسان هذا قطعةٌ من الزّمان، يهب الله فيه السّعادة للأرض، بعد بكاء وتضرّع، ونُحُولٍ واصفرار، فتبدو كعروس تزُفُّها المجرَّة إلى كوكبٍ آخر، فأنّى نظرت تجد البهجة والسّرور، في السّهول والجبال، والبحار والتّلال، بين أعشاب الأرض وأشجارها، ونجوم السّماء وأطيارها، وابتسامات الأطفال وقفزاتهم خلف الفراشات الملوّنة، آهٍ، نسيت -كعادتي- أني أحدّثك عن ابن أخي، لا عليك سأكمل القصّة، بعد ملاحقاته الطّويلة وفشله في التقاط الفراشة، اصطبغت وجنتاه بحمرة لذيذة، و ارتمى بجسده في حضن أبيه، مقلّباً نظره بين عينيه وهو يسأله : هل أنت سعيد يا بني ؟، وكعادة الصّغار، الذين يحاولون فهم فلسفة كلّ شيء أجابه: ماهي السّعادة يا أبي؟ …. حقاً، ما هي السّعادة؟!
عندما أحاول فهم هذه الفلسفة العظيمة التي أوجدها الله في نفوسنا، وجعلها تزيد وتنقص، أجد نفسي كمن يخيط شرخاً في سطح الأرض بمخيط صغير، أو كمن يسعى في نقل ماء البحر بغربال، في كلّ مرّة يحمل فيها مقداراً، يكتشف أنَّ ما انفلت منه أعظم بكثير، فلا يمكن لشاعر مهما بلغ به البيان أن يحشر كُنهَ السّعادة في نثرٍ أو قصيد، ولا لطبيب أن يحدّد مستقرّها، ومستودعها، ولا لرسّام أن يجسّدها في لوحة زيتيّة تمتدُّ في ارتفاعها حتى تلامس السّماء.
سعادة الأمّ في وضعها جنينَ قلبِهَا الأول، في لثمه لأوّل مرّة، في الضّمة الأولى، في الدّمعة الأولى التي تسيل في وديان جفنها بعد ملامسته.
سعادة الأب في أن يجد طفله الصّغير يستجمع أصابع كفّه، يلتقط بها إبهام كفّه، حين يفتح الباب عائداً من العمل، فيحمله ويرمي به في السّماء، ثم يلتقطه، ويضمّه إلى صدره.
سعادة الطّفل في أن يخطو خطواته الأولى، دون أن يتعثّر، ويصل للجهة التي تنتظرها فيها أمّه، لتحمله وتقفز به عالياً.
سعادة طالب العلم في أن يستلم شهادته، ويرمي قبّعته عالياً بين أكفٍّ تصفّقُ له، وأعين تدمع، وهي ترقبه في فخار.
سعادة الأنثى في أن تجد شريكاً يقاسمها تفاصيل حياتها، وسعادته في سكنها إليه، وسكنه إليها.
سعادة الطّبيب في خلعه كمّامّة عمليته الجراحيّة التي أنقذت مريضاً من بين ركام الآلام، وخروجه من بوابة غرفة العمليّات ليطمئن أهله: “لا تخافوا، هو بخير”
سعادة الباحث في أن يصل إلى نتيجة بحثه، الذي سرق منه حياته وأيّامه، وأقضّ مضجعه في ليالي الشّتاء الباردة.
سعادة الكاتب في أوّل توقيعٍ يرسمه إهداءً لقارئه الأوّل، ويرى أثر كلماته ينتشر في مجتمعه وبين قرائه.
سعادة القارئ في قراءته لفكرة جديدة، أو صورة بيانية وتشبيه جميل يقدح زناد خياله، فينطلق راقصاً فوق سطور الكتاب.
سعادة المريض في شفائه، وانفلاته من أنابيب تكبّله فوق سرير المشفى، وأقراص صغيرة يبتلعها صباح مساء.
سعادة الجائع في طبق حساء يقدَّم له، مع خبزٍ مقمر، في ليلةٍ باردة.
سعادة الثّائر في أن ينتصر، ويرغم أنف جلّاده في التراب، في حريته التي يزمجر بها ليهزَّ أركان الطّغيان.
سعادة السّجين في حرّيته، وخلاصه من أغلالٍ تقيّده، وسياطٍ تقصم ظَهره، وخروجه إلى الحياة من جديد.
سعادة المهجّر في أن يحرق خيمته، ويرقب ألسنة اللّهب التي تأكلها في الأفق الذي يسير فيه عائداً إلى بيته، بعد 8 سنوات أكلت ما تبقّى من عمره قهراً وذلاً.
سعادة المغترب في تسارع نبضات قلبه خارج بوابات المطار، عائداً ليقبّل يد أمه، وجبين زوجته، عائداً ليحضنَ أطفاله ويشمّ ريحَهم، بعد عمرٍ قضاه يجد ريح يوسف ولا يطاله.
سعادة الإنسان رضاه عن الحياة التي يعيشها في رضى خالقه، سكونه وطمأنينته، سجوده بين يدي خالقه، سعيه في مناكب الأرض بحثاً عن رزقه، عمله الدؤوب وإنجازاته العظيمة، إسعاده الناس من حوله، ورسمه البسمة على وجوه لا تجد إليها سبيلاً.
السعادة مفهوم عظيم، فلسفة جميلة، شعور داخليّ لا يمكن أن نصنعه، أو نتصنّعه، وحصرها في جزئيّات من الحياة، كالمال والشّريك والنجاح هو وأدٌ لها، فهي ليست إنجازاً، وقدرها يكون بقدر المتاعب التي تسبقها، فلا سعادة بدون خوف، ولا هناء بدون جهد.
السعادة هي كما يقول الرافعي: طفولة القلب، وسرّها في أن تكون فيك القوى الداخليّة التي تجعل الأحسنَ أحسن ممّا هو، وتمنعَ الأسوأ أن يكون أسوأ مما هو.
لم تعجبك كل تلك الفلسفات التي تظنها هاربة من المدينة الفاضلة؟ حسناً، دعني في نهاية النص أسرد لك قول أحدهم عن السعادة، ربما هو أوسكار وايلد، أو غيره، قد يروق لك أكثر مما قرأته، فقد قال ذات مرة: عندما كنت صغيراً، كنت أظن أن المال هو السعادة، وعندما كبرت أدركت أني كنت على حق.
لا تقهقه كثيراً، وإن استطعت أن تمتلك المال وتشتري سعادة لك، احسب حسابي في واحدة، وسأدفع لك الثمن، دمت بود، وسعادة عظيمة.