عندما تنظر من النافذة قرب مقعدك في الطائرة، فترى ما يشبه أرجوحة كبيرة، بعمودين أحمرين شاهقين، وحبال مضاءة باللون الأبيض بينهما، اعلم أنك تطير في سماء إسطنبول.
إسطنبول هذه طفلة مشاكسة، وليدة عشق بين تراب آسيا وسماء أوربا، ذلك العشق الذي تحمل رسائله بينهما في كل صباح جسور ثلاثة، وبحر لا نهاية لشطآنه المترامية.
طفلة مشاكسة تعبر التاريخ دون أن تكبر أو تشيخ، فتراها مرة بعمر أزهار التوليب في ساحات السلطان أحمد، ومرة بعمر أسوار القسطنطينية القديمة، التي تبدو لك صامتة هادئة، لكنها عكس ذلك تماماً، فإن اقتربت منها وأصغيت، ستحكي لك حكايات الماضي والحاضر، وتقرأ لك مستقبلك في قعر فنجان قهوتك، الذي تشربه على عجل في إحدى مقاهيها وتمضي.
في إسطنبول يحاول العمران أن يسابق الزمان، فترى سقالاته في كل مكان، ولوهلة تظن أن هذه المدينة تنمو متغذية على مياه البحر، تماماً كأشجار حداقها الباسقة، وأزهار الشرفات في أحيائها القديمة، وهي ثقب أسود يبتلع الزمان والمكان، والجهد والمال، تطحن كل ذلك لتصنع به أبنيتها الشاهقة، وجسورها التي تعبر السماء بين ضفتيها، وجمالها الذي تتباهى به، وكأنها قطعة من جغرافيات الجنة.
في إسطنبول هدنة المعارك بين التناقضات، ففيها يرتاح التناقض “على رأي تميم” في الأزقة القديمة، المرصوفة بحجارة صغيرة، وعلى الأسطح التي تحمل فوق رأسها قطع الآجرّ الأحمر، كي لا تتبلل فساتينها أبنيتها الملونة في الشتاء، فترى في شوارعها الغني والفقير، القوي والضعيف، اللين والشِّدة، الخير والشر، المودة والبغضاء، التواضع والكبر، ترها تمشي في خطوط متوازية، لا يبغي أحدها على الآخر ولا يزْورُّ عنه.
في إسطنبول لا شيء يعلو على المآذن والقباب، سوى طيور النورس، تلك التي ستلاحقك في جولتك عبر “البوسفور”، وتقاسمك “السميت” الذي اشتريته من العربات الحمراء قبل أن تصعد إلى السفينة، تنظر في عينيك حتى تطعمها، وإن لم تفعل، ستنتهز الفرصة المناسبة لتسرق شيئاً من طعامك وتطير عالياً، إلى برج “غلطة”، لتزاحم الزائرين هناك في صورهم التذكارية، التي يلتقطونها في شرفاته الشاهقة، “غلطة” هذا برج عظيم من أبراج إسطنبول، يرتفع في منتصف الأحياء القديمة، مخترقاً سماءها بقبعة مخروطية ذات لون رصاصي، وطوق من النوافذ الزجاجية، يحكي للبيوت الملونة التي تثني ركبها متحلقة حوله قصص بطولاته في العصور الوسطى، ويلتفت بين كل قصتين إلى أحد المقاهي المنتشرة حوله، علّ أحدهم يناوله كأس شاي “مدملن” يستعين به على إتمام القصة التالية.
دعك من النورس الذي سرق قطعة “السميت”، وانظر في الأفق، حاول أن تسرق أنت أيضأ شيئاً من الجمال المنتشر حولك، تماماً كما سرقت تلك الفتاة الجالسة على رصيف ساحل “أوسكدار” قلب عشيقها الجالس بقربها، تراقب الشمس وهي تختبئ خلف برج الفتاة، وتأمل ألا يكون حالها كحال صاحبة البرج التي ظلت حبيسة جدرانه يوماً، بعيداً عن كل هذا الجمال في الخارج.
هل سمعت صفير الباخرة؟ هذا يعني أنك وصلت إلى “أمينونو” يا سيدي، دعك من “أوسكودار” وعشّاقها، ما رأيك بشطيرة سمك مشوي من هذه العربات المنتشرة على الساحل، صدقني إنها ألذ شطيرة يمكن أن تتذوقها لسمكة طازجة، وأنت تتأمل حولك قباب المساجد ومآذنها، انظر، هذا الذي تراه عالياً جامع السليمانية، يتأمل بإطلالته البديعة غروب الشمس خلف المنازل الكثيرة في الأفق، في الخلف هناك آيا صوفيا، جالس بهيبته وسكينته، يراقب في ساحاته مولوياً صغيراً، يدور حول نفسه في رقصة تحمله إلى الحقيقة عبر الحب، كما يقول المتصوف الجالس هناك، يقرأ في كتاب لجلال الدين الرومي، في ظل الأشجار العظيمة، التي تحاول أن تجاري بطولها مآذن جامع السلطان أحمد، تعال نصلي العصر في حرمه البديع، ثم ننطلق إلى “تقسيم”.
في الطريق إلى “تقسيم” لابد أن نمر “بسوق مصر”، فنمشي تحت قناطر مزركشة، تستند نهاياتها على تلال من البهارات الملونة، تعبق المكانَ برائحتها، تعلوها حبال ثمار مجففة منتظمة قرب بعضها، تماماً كحبات المسابح المعروضة في الطرف المقابل، بين القطع الخزفية والسرج الملونة، هنا في سوق مصر تجد كل شيء، عسلاً وحلوى، ملابس ومجوهرات، أواني نحاسية وزجاجية، شاياً تركياً، حبوب هيل، بهارات هندية، رزم من القرفة الطازجة، وطبقات من الحلقوم اللذيذ، والكثير من الوجوه المبتسمة، تلك الوجوه ستراها في كل مكان، خصوصاً في “تقسيم”.
“تقسيم” هذا حيٌّ يحبنا ونحبه، فيه شارع الاستقلال الذي يرقد فيه تاريخ عظيم، وذاكرة مليئة بالتفاصيل الجميلة، في الزخارف المنحوتة على جدران الأبنية، والأضواء المتدلية بين نوافذها، في عربات بيع الكستناء، ونغمات الموسيقى التي تسمعها طوال مسيرك، فهذا يعزف على جيتاره، وذلك ينفخ في نايه، وثالث يغني مع مجموعة من أصحابه، وطفل يحاول أن يخطف من يد أبيه قطعة بقلاوة اشتراها لتوه من عند “حافظ مصطفى”، وآخر يلحق بأمه لتقشر له قطعة كستناء ساخنة حرقت نهايات أصابعه الصغيرة، وشاب في نهاية الشارع يحاول أن يسرق قبلة لذيذة قبل أن يخيّم الظلام.
لنشترِ وردة حمراء من هذا البائع ذي القبعة الجميلة، نهديها لسيدة طاعنة في السن، تركب قربنا في ميترو الأنفاق في طريقنا إلى “الفاتح”، التي يرقد فيها سلطان هذه الديار وفاتحها، هنا خلف الجامع الكبير، تحت تلك هذه القبة الكبيرة، هنا في الفاتح ستجدنا نحن السوريين نفوق أصحاب المدينة عدداً، فأنى نظرت تجد لافتات وأسماء تعود بك إلى دمشق، وحلب وحمص وحماة، بوز الجدي، خان الوزير، سللورة، السلطان، تقرأ كل تلك الأسماء، فتتسلل إليك رائحة عجيبة لا يخطئها أنفك، شاورما “مسقسقة” مع “طربوش توم” يقدمها لك معلم الشاورما، مع ابتسامة عريضة تكاد تصل إلى نهايات قبعته البيضاء التي يرتديها، صحتين وعافية، لكن ألم تتعب قدماك من المسير، ما رأيك الآن بحمام ساخن يعيد مفاصلنا إلى أماكنها، تحت قبة شاهقة يحملها اثنا عشر عموداً في حمّام “جمبرلي طاش”، هيّا بنا، أنت أولاً.
هنا إسطنبول، عاصمة الجمال الذي تعتقه صباح مساء في أزقتها، وبين أحجار أسوارها، في عيون قططتها البدينة، وآثار عجلات عرباتها الجوالة، في أزهار جنائنها، في غرف قصورها، يلدز، دولمة بهشه، توب كابي، وأعشاش الطيور فوق قباب مساجدها، الفاتح، السلطان أحمد، أيا صوفيا، السليمانية، بايزيد، جيهان غير، والدة سولطان، تشامليجا، تعتقه ثم تحمله على أجنحة النوارس، تعلو به ليمازج أصوات المقامات في كل أذان، لتمطره غيمة عابرة في قناديل الليل، راسمة للناظر خريطة العشق، يلاحق خطوطها، ليقبل في نهاية الطريق مدينةً بحجم الكون، ويخلد إلى النوم في أحضانها التي لا تنام.