شقاءان في مدينة واحدة

منذ سنوات ثلاث تقريباً، انتقلت للعيش في مدينة صغيرة تبسط بنيانها على جزء من ساحل البحر الأسود، وترتفع به قليلاً زاحفة فوق الجبال المجاورة التي تكاد لا تخلو قممها من ثلوج الشتاء، مدينة يغلب عليها الطابع الريفي البسيط، الذي يتسلل من مخيلتك عند ذكر اسمها، ليرتسم على شكل إناء شاي نحاسي، مكون من طابقين، في شرفة شاهقة، تطل على بحيرة جميلة، يحرس مدخلها مسجد صغير، له مئذنتان وقبة صغيرة، طرابزون.

طرابزون هذه يا سيدي، تظنها سقطت على هذه الأرض عندما انكفأ إناء جمالٍ في العالم السماوي، ويكاد يخيّل إليك عند زيارتها لأول مرة أنك دخلت الجنة في الدنيا، وحياتك السابقة تحت شمس الرياض، وغبار القصيم، ورطوبة جدة، وقيظ الكويت، وحرارة بغداد، إنما هي يوم الحساب الذي لا مفر منه، سلمني الله وإياك من حرّ ذلك اليوم، وحفظنا من أهواله.

في مدينة كهذه، يطلب مني مدرب الكتابة أن أكتب نصاً عما لا يعجبني فيها، فلا أدري ما أفعل، وعن أي شيء أكتب، لقد كلفني ما لا أطيق، فلست بالذي يخالط الناس كثيراً لأكتب عن ثقلائهم، ولا بالذي يكره برد الشتاء لأكتب عن ثلوجه التي تثقل كاهل سيارتي، وقعت في حيرة من أمري، حتى هداني صوت أتاني من بعيد إلى ما أكتب عنه، لا أدري كيف أنسى أمراً كهذا، فلا شيء كمثله يثير غضبي في هذه المدينة، وسيثير غضبك أيضاً وأنت تقرأ، وغضب أمك الجالسة قربك تتصفح حسابات “منال العالم” في مواقع التواصل الاجتماعي.

تريد أن تعرف ما هو ذلك الشيء؟ تخيل معي إذاً أن تدخل مطعماً جميلاً، تستند طاولاته إلى زجاج يكشف لك عن تراقص مصابيح الليل في صفحة البحر الممتد إلى اللانهاية، تجلس، يأتيك النادل بقائمة الطعام، تقلبها حتى تأتي على خاتمتها، ولا تجد بين الأطعمة التي يقدمها طبق ملوخية بالدجاج، أو طبقاً آخر من أطباق المطبخ الشامي أو الحلبي، أيعقل هذا؟! ألم يقرأ هؤلاء الذين يفتتحون مطاعم في هذه المدينة في “رسالة الغفران”، التي يكاد يجزم فيها “المعريّ” بأن طهاة الجنة من حلب، فلا يضعون في قائمة وجباتهم إلا سمكاً مقلياً، وآخر مشوياً، وثالث “مسكوفاً”، مع حبي الكامل “للمسكوف” العراقي، الذي أظنه ألذ من اللحم الذي تناوله “بديع الزمان الهمذاني” في بغداد، لكني لا أستوعب حتى الآن أن هناك مدينة في هذا العالم، لا تحوي في قوائم وجباتها طعاماً تحبه كل ثقافات الأرض، وما ذنبي أنا أنفق كل يوم ساعات طوالاً في صنع الطعام، خصوصاً بعد أن تركت حياة الزواج بحلوها ومرها، وتنازلت عن حقي فيها لرابطة المتزوجين، الذين يأكلون على كل ضرس لوناً، وينعمون في كل متكأ بما لذّ وطاب، وعليه يا سيدي يجب أن تفكر ألف مرة قبل أن تحط الرحال في طرابزون وأنت عازب، وإن فعلت فإني نذير لك من شقاءين، شقاء عزوبيتك، وشقاء معدتك، وقد أعذر من أنذر.

شكراً لصوت معدتي الذي هداني في النهاية إلى شيء لا يعجبني في هذه المدينة، وحفظ لي ماء وجهي أمام مدرب الكتابة، حيث لم أحنث في وعد كتابتي لكل النصوص التي يطلبها مني دون هوادة، والآن، أستميحك عذراً، عليَّ أن أتفقد ثلاجتي، وأعد لمعدتي شيئاً تأكله، كي لا تفترسني، وتكون نهايتي نهاية رجل جائع قتلته معدته، فالسلام عليك، ورحمة الله، وبركاته.

أضف تعليق