الطريق إلى مكة

ذات يوم، وبعد صلاة الفجر، كنت جالساً في مكتبي القديم يوم كنت أعمل في الإدارة المالية لفريق ملهم التطوعي، أزيل عنه ما ران عليه من أوراق قديمة، وملفات كنت أعمل عليها طوال الليل بين تدقيق وجرد، وإذ باتصال يفاجئني:

كيف الحال يا أبا أنس.

بخير وفضل ونعمة، الحمد لله، كيف حالك أنت؟ وكيف خطرت على بالك في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟

بقي عندنا منحة واحدة فقط في رحلة الحج لهذه السنة، دعوت الله في صلاتي، وعندما سلمت منتهياً منها، كنت أول من خطر في بالي، لتكون هذه المنحة من نصيبك، أرسل لي جواز سفرك لكي نقوم بالإجراءات، فالرحلة بعد يومين إن شاء الله.

أنهيت المكالمة، أسرعت إلى خزانتي الخاصة لأبحث فيها عن جواز سفري، وقلبي ساعتها وصل قبلي إلى مكة، وطاف سبعاً وعاد قبل أن أصل إلى الأوراق، فتشت بين الأوراق على عجل، أخرجت جواز السفر، التقطت صورة للصفحة الأولى وأرسلتها عبر المحادثة إلى الشخص الذي كلمني، وكان رئيس لجنة الحج العليا يومها، ثم قلبت الصفحة، التقطت صورة للصفحة الثانية، وتفقدت وضوحها قبل الإرسال، وما إن وقعت عيني على تاريخ انتهاء الجواز، حتى تلبسني خذلان عظيم من رأسي حتى أخمص قدمي، وكأنه عفريت كان يقف في جانبي، وينتظر هذه اللحظة حتى يجهز علي في ذلك اليوم، الذي كان اليوم الثامن بعد تاريخ انتهاء صلاحية جواز السفر، اعتذرت إلى صديقي باتصال صوتي، وجلست أحاول دفع تلك الصخرة الثقيلة التي كانت تتدحرج فوق صدري يومها، وكلما حاولت إبعادها عادت من جديد، فكان حالي كحال سيزيف مع صخرته.

حلقت بخيالي نحو مكة، مهوى القلوب والأفئدة، مسكن الحب والجمال، مستراح الأرواح والنفوس، مكة التي كنت أتمنى أن أزورها مع أمي يوماً، لتحكي لي قصة الإسلام الأولى التي كنت أسمعها منها دائماً، لكن كنت أريد أن أسمعها في مكة.

في غار حراء، على سفح ذلك الجبل الأجرد، في ذلك الغار الصغير الذي كان له فضل على كل شبر في هذه المعمورة، يوم انبثق من غياهبه ضياء الإسلام، فجراً ينير الأرض من مشرقها إلى مغربها.

في الحرم، ونحن نطوف حول الكعبة الشاهقة في عظمتها وبنيانها، نجري خلف أفئدتنا المعلقة بأستارها، مجردين من كل شيء، لا شيء يستر سوآتنا إلا ضعف وانكسار، ودمعة تهوي في ملكوت العبودية الخالصة، ولسان يلحج: لبيك لا شريك لك لبيك.

بين الصفا والمروة، مهرولين، نقتفي أثر هاجر الأولى في سعيها، في تسليمها لله وحده، في دعائها: لن يخيبنا الله.

عند الحطيم، تحت ميزاب الرحمة، قرب الملتزم والحجر الأسود، عند بئر زمم، في ساحات الحرم، في أسواق التمر، وحارات مكة القديمة وأزقتها وبرحاتها، دفان والشامية والمغاربة والسبع لفات والمختار وزقاق الملائكة، في الطريق إلى المدينة، آه من المدينة، آه من نسائمها ونخلها وأطيارها، آه لأفئدتنا التي تطير إلها تطوف بالقبة الخضراء، تحمل إليها شوقنا وتحنان قلوبنا، تقف أمام الواجهة الشريفة، تسلم على نبي الرحمة، بأبي هو وأمي: الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله.

ماتت أمي، لكني لا زلت هنا أكتب هذه الآمال، أرجو أن تتحقق يوماً، لأحمل روحها بين جنبي، وأسجد بجبهتينا في أرض مكة، وفوق تراب المدينة.

أضف تعليق