صاحب وحي القلم

في المرحلة الابتدائية من دراستي، كنت معتاداً بعد الانتهاء من واجباتي المدرسية، أن أمضي بقية يومي في مكتبة والدي، تلك المكتبة الخشبية الكبيرة التي تستند إلى جدران ثلاثة في إحدى غرف المنزل، أقلب النظر في كتبها المصطفة جنباً إلى جنب، وآنس بها أنس صديق بصديقه، وفي كل مرة تقع عيني على كتاب من ثلاثة أجزاء، يقف في منتصف الكتب الأدبية، ويحمل فوق صدره عنوانه، مرسوماً بخط ثلث مذهب (وحي القلم).

قصر قامتي حينها، كان يعيق يدي من الوصول إلى الرف الثالث، لآخذ أحد أجزائه، وأتصفح الكلمات المكتوبة في قرطاسه، دون محاولة لفهم الجمل المكتوبة تحت كل عنوان، فمقدرتي عصية على فهمها، وبعد سنوات عدة، دخلت المكتبة، وأخذت المجلد الأول من وحي القلم، وأخذت أقرأ فيه، أو ربّما أرتشق منه – بتعبير أدق – فوجدته معين أدب ودين وحب وجمال وحكمة، يتدفق من فلسفة الرافعي الذي لا يظمأ وارده، ولا يشقى جليسه، وأبلغ ما وصف به بيانه كلام سعد زغلول حين قال أنه ” تنزيل من التنزيل “، وكانت تلك بدايتي مع الرافعي وأدبه.

مصطفى صادق الرافعي

ولد في بيت جده لأمه، في مصر، لأبوين سوريين، وتربى في أسرة محافظة، وأتم المرحلة الابتدائية من تعلمه، ثم أصيب بمرض أقعده في سريره شهوراً، وأفقده سمعه في مراحل متقدمة عندما بلغ الثلاثين، فلم يكمل مشوار تعلمه المدرسي، لكنه لازم أباه حين كان قاضياً، وتعلم على يديه، وانكب على الكتب يقرأ منها ويستزيد.

بدأ الرافعي نتاجه الأدبي شاعراً، لكنه وجد في الشعر العربي قيودًا لا تتيح لكاتب أن ينظم بالشعر كل ما يريد أن يعبر عنه، فانتقل إلى النثر، ثم إلى الدراسات الأدبية، وصولاً إلى أدب المقالة الذي فذ فيه وأجاد، ومنه ما جمع في كتابه البديع وحي القلم.

يرى الرافعي أن اللغة العربية بخصائصها المميزة هي روح الأمة، وهي قوام فكرها ووعاء ثقافتها، ويجب أن تصان عن الإسفاف والابتذال، واشتهر بدفاعه عنها وعن الدين، ونقده اللاذع، وخصوماته الأدبية الكثيرة مع طه حسين والعقاد وموسى سلامة ولطفي السيد وغيرهم، وكان يقول: أنا لا أعبأ بالمظاهر والأغراض التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، والقبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكّن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمسُّ من الآداب كلها إلا نواحيها العليا، ثم إنه يخيل إلي دائما أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، فأنا أبدا في موقف الجيش تحت السلاح.

تمكن الرافعي في الأدب من امتلاك ناصية الكلمة، وقولبة البيان في قوالب لا يستطيع الآخرون إليها سبيلاً، فحلق بأدبه وفلسفته مجاوزاً السماء، وليس هذا الكلام من باب إنقاص قدر الأدب الذي جاد به أقرانه في ذلك الزمان، خصوصاً العقاد وطه حسين وأحمد أمين وغيرهم، فهم منارات أدبية، طمست عين من لا يرى نورها، ويهتدي بها، حاشى وكلّا، لكنه – في نظري – فاقهم في صنعتهم تلك، فكان خير من تشد إليه رحال القراءة.

وإني لأكتب هذه الكلمات اليوم وأنا بين اثنين، أديبٍ عظيم قلت فيه يوماً أنه لو كان بيننا لغار على أدبه مني، لقدر ما أحبه وأكبره، وقارئٍ يستغرب مني صنيعتي هذه، فهو لا يجد في كتب الرافعي إلا طلاسمِ ونصوصاً بالغة في التعقيد، عصية على الفهم، فأما الأول فإني أرجو أن يهبني الله يوماً ما وهبه من الحكمة والبيان، والفصاحة والتبيان، فما ذاك إلا من الله، وأدعوه كما دعاه موسى عليه السلام من قبل: “واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي”، وأما الثاني فليس لي عليه سبيل، ولكني أدعوه إلى قراءة مقالتين من مطلع كتاب وحي القلم: (اليمامتان، واجتلاء العيد)، قراءة المتذوق، فإن وجد فيهما ما يسره، فبها ونعمت، وإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، كفارة ذلك، ولا أدري كيف لا يجد ما يسره، وقد قال فيه العقاد الألمعي في جلالة قدره: “إن للرافعي أسلوباً جزلاً، وإن له من بلاغة الإنشاء ما يسلكه في الطبقة الأولى من كُتَّاب العربية المنشئين”، على الرغم من أنه اصطلى بنار الرافعي التي أضرمها عليه في كتابه على السفود.

ولعلي انتهز فرصة قراءتك هنا، لأضع لك مقطعاً من مقالة اجتلاء العيد، فتمر عليها مرور الكرام، لتقرأ شيئاً من الجمال الذي تعتق سنيناً بين دفتي كتاب وحي القلم، فيكون حالك بعدها كحالي عندما تذوقت الملوخية لأول مرة، واكتشفت أن قد فاتني الكثير الكثير يومها، وقد بدأت أكلها منذ سنوات 4 من عمري الذي كاد يلامس حافة الثلاثين، فتخيل حجم ذلك الكثير الذي فاتني في الحياة الدنيا أيها القارئ الجميل، دعك مني ومن الملوخية الآن، فعندي لك ما هو ألذ منها، تعال واقرأ فيما يقوله مولانا الرافعي واصفاً الأطفال في يوم العيد:

“هؤلاء الحكماء الذين يشبه كل منهم آدم أول مجيئه إلى الدنيا، حين لم تكن بين الأرض والسماء خليقة ثالثة معقدة من صنع الإنسان المتحضر، حكمتهم العليا: أن الفكر السامي هو جعل السرور فكرًا، وإظهاره في العمل، وشعرهم البديع: أن الجمال والحب ليسا في شيء إلا في تجميل النفس وإظهارها عاشقة للفرح.

هؤلاء الفلاسفة الذين تقوم فلسفتهم على قاعدة عملية، وهي أن الأشياء الكثيرة لا تكثرُ في النفس المطمئنة، وبذلك تعيش النفس هادئة مستريحة كأنْ ليس في الدنيا إلا أشياؤها الميسرة، أما النفوس المضطربة بأطماعها وشهواتها فهي التي تُبتلَى بهموم الكثرة الخيالية، ومَثَلها في الهم مَثَلُ طفيلي مغفلٍ يحزن لأنه لا يأكل في بطنين.

وإذا لم تكثر الأشياء الكثيرة في النفس، كثرت السعادة ولو من قلة ، فالطفل يقلِّب عينيه في نساء كثيرات، ولكنَّ أمه هي أجملهنَّ وإن كانت شوهاء، فأمُّه وحدها هي هي أمُّ قلبه، ثم لا معنى للكثرة في هذا القلب، هذا هو السر؛ خذوه أيها الحكماء عن الطفل الصغير”

رحل الرافعي عن الدنيا عام 1937 تاركاً لمكتبة الأدب والفكر إرثاً عظيماً، في أكثر من عشرة كتب، أهمها وحي القلم – وهو شيخها وسيدها -، تحت راية القرآن، المساكين، السحاب الحمر، حديث القمر، وغيرها من الكتب التي لا بد لقارئ الأدب أن يرد موردها، فهي فيه – أقصد في الأدب –  مكانة الأصل من الفرع.

ويحضرني في نهاية مقالي هذا كلام الأستاذ الفاضل محمد سعيد العريان، الذي كتب وأسهب في حياة الرافعي، وأفرد لها كتاباً سماه “حياة الرافعي”، وقال فيه: “سيأتي يومٌ إذا ذكر فيه الرافعيُّ قالَ الناس: هو الحكمة العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان”، فاللهم أجزل له المثوبة، واجزه عن قرائه خير جزاء.

أضف تعليق