دعني أبدأ دون مقدمات أدبية ومنمقة تؤصل لسردية أن فلسطين هي قضيتنا الأولى، فتلك السردية لا يختلف فيها اثنان، وهي عتاد المرابطين على ثغور الكلمة، أولئك الذين لا يقل رباطهم وجهادهم عن حملة السلاح في الميدان، فهذا يحمل قلمه، وذاك يحمل بندقيته، و اسمح لي أن أطرح سؤالاً: لماذا فلسطين هي قضيتنا الأولى؟
منذ نكبة 48 وصراعنا مستمر مع المشروع الصهيوني، الذي يعمل معوله في خاصرة المنطقة العربية، أكثر من سبعين سنة، ولم يتغير واقع الأمر تغيراً ملموساً، على الرغم من أن السردية متجذرة في الوجدان والضمير العربي، وفي كل اعتداء جديد من كيان يهود، تغصُّ ساحات المدن وشوارعها بالوجوه التي تهتف منددة بالعدوان، تمتلأ صفحات المواقع بالمقالات والتسجيلات، التي ترفض الظلم الذي يكتوي بناره إخوتنا في فلسطين، تُجمَع التبرعات، تنطلق الحملات، وكل فرد منا في مكانه يعبّر عن غضبه واستيائه بالطريقة التي يجيدها، ومن لم يستطع جاهد بقلبه وذلك أضعف الجهاد.
في المقابل نجد تصريحات مواقع يهود تتبجح بفعائلهم الشنيعة، وتصف الشارع العربي بأنه العقبة الكبرى في طريق السلام، بعيداً عن الحكومات التي لم تكن يوماً كذلك، وتكمل تنفيذ مخططاتها بكل دم بارد، تستمر هتافات المنددين حيناً من الدهر، ثم تختفي تحت وطأة الخيبة، لكن تبقى فلسطين القضية الأولى، أكثر من سبعين سنة والمشهد نفسه يتكرر دون أثر ملاحظ، بل ووسائل التواصل التي تكشف اليوم ما خفي من جرائم الأمس، تعتبر دفاعنا عن حقوق المظلومين هناك، خرقاً للقوانين والأنظمة، فتحجب كثيراً منها وتضلله، هذا ما يزيد السؤال إلحاحاً: لماذا فلسطين هي قضيتنا الأولى؟ ما هو السر الذي تحمله هذه السردية حتى تحارب بهذه الشراسة؟ دعنا نتأمل قليلاً، إن هذه السردية هي قضية ظالم ومظلوم، كيان غاصب، وشعب مغصوب، إنها قضية الحرية التي هي أقدس من أي شيء آخر، ولو تحققت في بلداننا، لتفككت بتحققها مشكلات كثيرة نرزح تحت وطأتها منذ قرون طويلة.
تخيل أنك تحمل وزناً ثقيلاً جداً على عاتقك، فيضعف مسيرك حتى لا تستطيع أن تخطو خطوتين دون أن تتعثر وتقع، وطفل يناديك من بعيد يطلب المساعدة، وهو على وشك الهلاك، وأنت تصرّ على حمل تلك الأثقال في طريقك إليه، هل ستدركه؟، هل ستستطيع إنقاذه؟ بالطبع لا!، هذا حالنا بالضبط، الأثقال التي نحملها تتجسد في حكام اغتصبوا السلطة في بلادنا، والطفل الذي يستجير هو مثال لكل مظلوم في بقاع الأرض، فحين تخرج في هتافك للقدس إلى الساحات بين الآلاف المؤلفة، كن على يقين أن رئيس دولتك أو أميرها -غير المنتخب انتخاباً حقيقياً- يتصل بزعماء صهيون، يقدم فروض الطاعة، ويؤكد لهم ولاءه، معتذراً عن قبيح تصرفك في حقهم، كن على يقين من ذلك حتى لو خرج إليك وتلا على مسامعك سردية قضيتك الأولى، هو يريد أن يبقى فهمك للسردية في إطار غضبك الذي يكرر نفسه كل مرة بالطريقة ذاتها، يريد أن يثني فهمك عن المعنى العميق لها، والذي يتجلى في قيمة الحرية، التي لو امتلكتها لكانت بمثابة حبل مشنقة تلفه حول عنقه، وعنق خيانته، لك، ولقضية فلسطين، ولكل قضايا المظلومين في العالم.
كل ذلك الحقد والكره الذي نحمله تجاه المشروع الصهيوني، يجب أن نحمل أضعافه على كل مستبد يجثم فوق صدورنا فيكتم أنفاس حريتنا، فهو الذي يمنح ذلك المشروع شرعيته، ويحفظ أمنه، ويرعى مصالحه أكثر من مصالحنا، علينا أن نتخلص من أثقال ترهق عاتقنا، حتى ننتصر لقضيتنا الأولى، ونستطيع مساعدة من يمد إلينا يده، ويستصرخنا من بعيد.
فلسطين قضيتنا الأولى، مجسِّدة صراع العدل وشموخه في وجه الظلم، في حجر يرهب رصاصةً تنطلق من فوهة بندقيّة مستوطن، يختبئ خلف خوفه، في صوت الأذان وتكبيرات المصلين التي تعلو على صوت الرصاص في ساحات المسجد الأقصى، في الجدران الشامخة التي تحمل فوق جبينها عبارات: ههنا باقون، لن نرحل، ولن نصالح.
إلى القدس التّي نحنّ إليها، إلى كل المرابطين في ساحات الأقصى، إلى كل الأطفال والأمهات في حي الشيخ جراح و كل شبر من فلسطين الأبية، إلى كل شيخ كبير يتكئ على عكازه في طريقه إلى الصلاة، فيواجَهُ بقنبلةٍ تنفجر أمامه ناراً وحقداً وغلاً، إلى كل مظلوم في هذا العالم، لا تسامحونا، لا تتجاوزوا عن تقصيرنا، ولا تعفوا خذلاننا، فنحن الجالسون هنا سبب الظلم الواقع عليكم، وسنسأل يوم العدل عن تقصيرنا في حقكم، وحق كل مظلوم استجار بنا، ولم نجره إلا بكلمات منمقة، وشعارات لا تجاوز السطور والحناجر.