مناجاة

في طفولتي لم أجد السعادة يوماً إلا في جوار أمي – رحمها الله – وكانت معظم أوقاتها تضع نظارتها المكبرة، تمسك بمصحفها السميك، وتقرأ فيه ساعات طويلة، كنت أراقب تمتماتها حتى تنتهي، وتقول بصوتها الجميل : صدق الله العظيم.

عندما يؤذن المؤذن، كانت تردد كل كلمة يقولها، وتغمض عينيها عندما تصل إلى: “الله أكبر الله أكبر”، ثم تتوضأ وتقف في صلاتها، كنت أحاول أن أقف بقربها، أقلد حركاتها وهي تركع وتسجد، ثم تجلس لتردد الأذكار بعد الصلاة، كانت تحرك إبهام يدها اليمنى فوق أصابعها المتبقية، جيئة وذهاباً، كنت أفعل ذلك أيضاً، وأعد في كل مرة من واحد إلى ثلاثة، هذا ما كنت أحفظه أيامها، واقتربت منها يوماً فسمعتها تقول في كل مرة: “سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر”.

من هو الله؟! ولماذا أمي تحبه أكثر من أي شيء آخر؟! حتى مني، سألت نفسي ذلك السؤال الطفولي، ولم أكن أدري أنني عندما أكبر، سأحبك يا رب مثل أمي، أكثر من أي شيء آخر، سأحبك أكثر من أمي، ومن نفسي، سأحبك دون أن أراك، سأحبك وأجري إليك بخطواتي المتعثرة كالأطفال، أسجد بين يديك، اسكب دمعي في أعتاب بابك، أناديك: يا رب، وأسمع الجواب في غياهب روحي: لبيك عبدي.

إلهي، يا من هامت الأجرام في سمائها، وصاحت الحيتان في بحارها، ورددت الجبال في أصدائها، وتبتل النمل في مساكنه، والقمر في منازله، والطير في وكناته، والليل في ظلماته، باسمك العلي الأعظم، وبهاء وجهك الأكرم.

إلهي، يا من تسمع نجوانا، تعرفنا من بين كل الأصوات التي تلهج بالدعاء لك، تسألك أن تراك، وأنت أقرب إليها من سمعها وبصرها، كيف نستدل عليك بما هو مفتقر لسلطانك، ومتى بعدت حتى نطلب قربك ونحتاج إلى آثار تدلنا على عظمتك، ضلت نفس لا تراقبك في شؤونها، وعميت عين لا تراك في كل شيء تقع عليه.

إلهي، صرختي الأولى كانت لك، خطوتي الأولى كانت إليك، سجودي الأول كان بين يديك، بذلّي وفقري وانكساري وخضوعي وتبتلي، أنت العظيم في عليائك، وأنا الهباءة في أرضك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك يامن أشرقت بنوره الظلمات، وانجلت بذكره الكربات، وصلح به أمر الدنيا والآخرة، أن تدلني إليك، وتلهمني الزاد في طريقي إليك، كيف أذل وأنت عزي، كيف أضام وأنت سندي، كيف أفتقر وأنت ثروتي، كيف أخيب وأنت أملي، كيف أرد وأنت رجائي، كيف يا رب؟ وأنت ربي، وأنا عبدك.

إلهي، يا من خلقت في الفراق ألمه، وفي الهجر عذابه، وفي الدمع حرقته، يا من خلقت في الوصال لذته، وفي القرب نشوته، وفي المبسم جماله، أسألك بلذة حب العاشقين لك، الهائمين بك، المتبتلين في ملكوتك، أسألك بماء عيون الأطيار، وبالندى المتساقط فوق الأزهار، أسألك في هدوء الليل، وضجيج النهار، أن تزيل عن عيني أثر كل تلك الظلال الفانية، فلا أرى في هذا الكون إلا عظمة سلطانك، وبديع جمالك، فلا وصل إلا وصلك، ولا قرب إلا قربك، ولا مؤنس في ليالي العمر سواك، ولا رفيق في درب الحياة إلاك، يا رحمن الدنيا والآخرة، ورحيمها.

أضف تعليق