أحلام البسطاء

منذ فترة طويلة لم يتسنَّ لقلمي زيارة مدينة أحلام البسطاء، فمشيت به اليوم أقصدها، ورحت أمشي برفقته في أخاديد وجوههم، أتأمل تفاصيلها، وأستمع إلى الصوت الذي يرتد إلي من بعيد، يحمل إليَّ أحلام الوجوه المتبعة في أزقة الحياة، فوق العربات الجوالة، وفي الحوانيت الصغيرة، وتحت أسقف المنازل القروية التي تحمي آمالاً كبيرة تعيش تحتها من أمطار الشتاء، وتحفظها جذوتها من أن تطفئها ريح الأيام.

سألت نفسي، كما أفعل في كل مرة، ما هو السبيل إلى تحقيق كل تلك الأحلام التي ترتفع إلى السماء من أفئدة الناس، تحلق دون عودة، يقفزون ليمسكوا بها قبل أن تبتعد أكثر، لكنهم يخفقون في كل مرة، وتفلح هي في التحليق والاختفاء في تفاصيل السماء البعيدة جداً.

إنني أعلم أن الله الذي في السماء، هو أرحم بي وبهم من أنفسنا، وأنه أحن من أن يرد كفاً ترتفع إليه بدعوة صادقة، لكن ما بالنا نحن البشر، ما الذي تسلل إلى قلوبنا البشرية فجعلها أقسى من صخر الجبال، ما الذي جعلنا نمزق أثواب إنسانيتنا لنرتدي أرسان العنجهية والكبر، ونغدو في حيواتنا كالبهائم، يأكل القوي منا ضعيف القوم، ويبطش العظيم بذليلهم، ويتخذ بعضنا بعضاً عبيداً.

كيف لشاب معدم أن يحلم برميه قبعة التخرج في مدرجات الجامعة، وعليه أن يعمل صباحاً ومساءً ليطعم عائلته التي لم يبق لها أحد يعيلها سواه، كيف له أن يمنع دموعه من أن تنهمر فوق وجبة غداء يعدها – في المطعم الذي يعمل فيه – لمجموعة من طلاب جامعيين، يقهقهون حول طاولة في الخارج تحمل كتبهم وأقلامهم.

كيف لمائدة تحمل من الأطباق ما يفوق مجموع أعمار من يجلسون حولها أن تكون مائدة مباركة، وهي في النهاية ترمى في قمامة يتجمع حولها الفقراء ليحققوا أحلامهم، في انتظار بقايا طعام بني جلدتهم، يرمى في القمامة، فتناولون وجبة تبقيهم في الحياة ليوم آخر.

كيف لخيمة في العراء أن تحمي أماً وأطفالها من وطأة الشتاء بثلوجه وأمطاره، كيف لحلمهم أن يخرج إلى واقعهم في رياح كانون الباردة، كيف له أن يتجسد في مدفأة تحمل فوقها حبات كستناء، يتقاسمها الأطفال ويقمرون فوق سطحها خبزاً يأكلونه مع طبق حساء ساخن، بعيداً عن الأمطار التي تقض مضاجع نومهم في خيمتهم البالية.

كيف لبسطار عسكري أن يقلب عربة بائع متجول في الطريق، لتتناثر من فوقها حبات الطماطم، والليمون، تجري بعيداً من قسوة ذلك المشهد، تاركة دموع بائعها الذي كان يمسح غبارها ويغني لها ويرتبها قبل دقائق، فوق عربة تعيش خلفها عائلة كاملة.

كيف لآلاف الأحلام التي تلعب في خيالات الأطفال أن تتحول إلى أشلاء، تماماً كحامليها، وتحترق تحت لظى قنبلة كبيرة، تندفع من فوهة مدفع مليء بالحقد على كل تلك الأحلام، وكل تلك الوجوه.

كيف لفتاة قتلوا زوجها أمام عينها أن تحلم مجدداً بطفل يشبهه، يحمل تفاصيله الجميلة، مشاكساته، طريقة نومه، غمرته التي تربت على قلبها، وتمنحها سكينة الكون بأسره.

كيف لأصابع شاب غيبه الظلام في أقبية السجون أن يحمل الآمال والأحلام التي يحصيها بحركة سبابته اليمنى فوق أصابع يده اليسر، كيف لتلك الأصابع أن تحمل شوقه إلى أطفاله، لهفته إلى أمه، رسائله إلى زوجته، حنينه إلى منزله ومائدة عائلته، لا بأس، لعلها تستطيع أن تحمل دعاءه إلى ربه، ومناجاته في غياهب الظلام، فالله أقرب إليه من جلاده الذي أثقل كاهله بأغلال حديدة بين الجدران.

كيف لعائلة هدم بيتها، وتناثرت أحجاره، أن تحلم بسقف يؤوي ضعفها، ويحفظ أسرارها، ويضم بين جنباته أفراحها وأتراحها، حبها وبغضها، كبيرها وصغيرها، ويحكي لها حكاية ليلة هادئة بعيداً عن كل ذلك الظلم.

كيف لطبيب أو مهندس أو جامعي أنفق كل دقيقة من عمره في تحصيل العلم أن يحقق حلمه، ويحصل على وظيفة في مؤسسة مرموقة، وهو ليس من طرف أحدهم، أو يحمل في سطور سيرته الذاتية توصية من معالي فلان، وتزكية من سيادة علان.

كيف لصوت أن يرتفع مطالباً بحقوقه، دون أن يتلمس رقبته، وهو يشاهد مقصلة الظلم تلتمع أمام ناظريه، كيف له أن يصل إلى المسامع قبل صوت الرصاصة، التي ترميه جثة فوق تراب الحياة.

كيف لهذه الإنسانية أن تنعت بالإنسانية بعد كل هذا، وكيف يطيب العيش في ظل كل هذا الظلم والعنجهية التي يتغطرس بها الإنسان، كيف؟ لا أدري، كل ما أدريه أن هناك يوماً آخر يقصم الله فيه ظهر كل ظالم، ويحقق فيه أحلام كل أولئك البسطاء، الذين لم يريدوا يوماً في هذه الحياة، أكثر من أن يعيشوا مثل باقي البشر، فوق هذه البسيطة.

أضف تعليق