تباً للآدمية

بادئ ذي بدء، أريد أن أسألك أيها القارئ الجميل، هل سمعت يوماً عن الآدمية؟ وهل لك أن تسدي إلى معروفاً، فتعرفني بها، أو تصف لي هيأتها، وشروطها، لأني منذ نعومة أظفاري أبحث عن معانيها العميقة، التي تُكسبنا محبةَ الناس واحترامهم “إن” تلبستنا، وأفاضت علينا من بركاتها، “إن” هنا، حرف شرط جازم، لا يتحقق المراد بعدها إلا بتحقق شرطه، حرف شرط جازم، لا محل له من الإعراب، إلا في عقولنا، ومبادئنا.

في طفولتي، كان علي أن أبقى طوال الوقت صامتاً، حتى أكون بين الناس الطفلَ المثالي والمهذب، وأتمتع بصفة الآدمية، ترى من الذي حكم على الآدمية بالصمت، ومن اخترع هذا المقياس الذي لا أستطيع أن أستوعبه ولا بأي شكل من الأشكال، فهذا الطفل الذي خلقه الله، جعل فيه طاقة كامنة، إن لم يصرفها في لعب وقفز وعراك مع الأصحاب، قتلته، وكتمت أنفاسه، ثم ماذا يعني أن أكون آدمياً بناء على صمتي وهدوئي، وهل ظهور صوتي في المجالس، ولعبي بأصابع يدي أو بسبحة والدي وهو يتكلم، سيجعلني في هيئة غير آدمية؟، كقطة أمي التي تشاركنا المجالس، تلهو وتلعب وتملأ البيت ضجيجاً، دون أن يطلب منها أحد أن تكون آدمية، صحيح، هي لا تستطيع أن تكون كذلك.

في المدرسة أيضاً كان عليّ أن أكون آدمياً، فلا أتحدث إلا إذا طلب مني، وأجلس في مقعدي من بداية الدوام إلى نهايته دون أن أتحرك، أكتم نفسه، وأقصم ظهره، وكلّما هممت بالرحيل سمعته من ورائي يشتم الساعة التي جعلته مقعدي في الفصل.

كان عليّ أن أحافظ على نظافة ثيابي أيضاً، فذلك شرط آخر للآدمية وحسن الخلق، ولتحقيق ذلك الشرط، كنت أراقب أصدقائي من النافذة، وهم يلعبون في ساحات المدرسة في الاستراحة بين الحصص الدرسية، دون أن أجرؤ على الخروج واللعب معهم، وكنت أسمع قهقهاتهم من خلف جدران المكتبة، التي كنت أقضي فيها وقت الحصص الدرسية حين يتغيّب مدرّسوها، ربّما كانوا أيامها يذهبون إلى المشافي، ليعالجوا أطفالهم المرهِقِين، الذين يلعبون ويمرحون، وتتسخ ثيابهم، فيصابون بداء قلة الآدمية.

كنت مُجِدًّا، ولا أحصل في اختباراتي إلا على الدرجة الكاملة، ترتسم بالقلم الأحمر فوق الأوراق على شكل واحد طويل إلى يمينه صفر صغير، بالكاد يستجمع حبره ليُظهر نفسه، عشرة من عشرة، كنت انظر إلى الصفر الصغير فأرى نفسي، وأنظر إلى الواحد فأرى آدميتي، هل من المنصف أن تكون آدميتي أطول مني، وما الذي سيضر لو كنت أنا الواحد وهي الصفر، هل ستتغير نواميس الكون، وأطرد من مجموعة الآدميين، إلى المجموعات الأخرى التي لا أحفظ تصنيفاتها ومسمياتها، ولا أعرف منها سوى أصدقائي الذين يلعبون ضمن دوائرها، أصدقائي الذين يجلسون بجانبي في مقاعد الفصل، ملامحهم كملامحي، شعرهم كشعري، لغتهم كلغتي، صوتهم كصوتي إن تحدثت، لا بل كانت أصواتهم أرفع، وصوتي بالكاد يسمع، وإذا انكشف سارعت في إخفائه، وكأنه جزء من عورتي التي تمتد من لساني إلى ركبتي، بينما أجدها عند البقية من السرة إلى الركبة، لا بأس، فتلك ضريبة من ضرائب الآدمية.

هل تعرفون أكثر ما كان يرعبني أيّامها، حين يتشاجر اثنان من طلاب المدرسة، ويشير أحدهم بملامحه، وحركات يده للثاني أن موعدنا في السّاحات، خارج المدرسة، أيها الصوص الصغير، سوف أفصل رأسك عن جسدك، “وبالصرفة منتواجه”، يا إلهي، لا أدري كيف كنت أتحمل كل ذلك الكم من قلة الآدمية، كان علي أن أسلك فجّاً غير الذي يتشاجرون فيه، فتتسخ ثيابهم، ويعلو صراخهم، وإن اضطررت إلى المرور قربهم، كنت أنظر إليهم وكأنهم عفاريت هاربة من العالم السفلي، “تنط وما تحط”، فإن رأوني يفسحون الطريق، “هذا حمزة آدمي.. حباب.. ما دخلوا.. خليه يمر”، تنقذني آدميتي مجدداً.

كنت في السنة كلها ربما أتكلم بكلمات يحصيها العادّ بأصابع يديه، وحين أتكلم كان على المستمع أن يبحث عن مقبس سوية الصوت، ويتفقد دليل الاستخدام حتى يجده، وعندما يصل إليه يجده معطلاً، فهو يخفف من جودة المنتج الآدمي، المكفول مدى الحياة، أما في المنتجات الأخرى كان عليه أحياناً أن يستخدم مكنسة البيت الخشبية ليخفض صوتها.

نعم يا سيدي، كنت أحبس كل الكلمات التي تراودني لتخرج وتتنفس هواءً نقياً، كنت أعدمها بمقصلة الآدمية، وأرمي جثثها في مقبرة حلقي حتى امتلأ عن آخره، وبدأت تطأ أول لساني بعظامها، محاولة الثأر لأصواتها التي لا تُسمع، فأصبح لساني ثقيلاً، كلما طلبت منه أن يتكلم، يخطو عدة خطوات، ثم يسقط متعثراً كطفل صغير في بداية مشيه، يتلعثم باللغة التركية التي هي لغته الأم، فما بالكم بالعربية.

كبرت، كبرت معي تلك الآدمية، وكل تلك الكلمات التي شربت حروفها من أنهار الكتب، هرمت في سجون البيان، والتي تجد سبيلاً إلى الهرب لا تستطيع أن ترى النور دون أن تتعثر تحت وطأة لساني، الذي أصبح أثقل من جبل أحد.

إلى طفولتي.. اعتذر عن كل ذلك الجفاء، عن كل تلك الأيام التي قضيتها بعيداً عنك، وأصبحت أصفها بأيام الشباب عندما أحدث الناس عنها، عن كل اللحظات التي كانوا يدعونك فيها أصدقائي لتلعبي مع طفولاتهم، فأعتذر إليهم، بحجة أن طفولتي آدمية، ولا تريد أن يتسخ فستانها بجمالهم.

إلى مقاعد مدرستي.. اعتذر عن كل تلك الأحمال التي تركتُها على عواتقكم، ومضيت لأجلس على كرسي أكثر راحة، دون أن أكتب في سطور أخشابك ذكرياتِ تلك الأيام، وأضع تحت كل ذكرى تاريخها، كما كان يصنع أصدقائي، فآدميتي كانت تلجم قلمي عن أن تكتب لك شيئاً، أحبك بقدر الجهد الذي كنت أبذله لأبقى طيلة الوقت في “جلسة صحية”، تعبر للمعلمين عن درجة آدميتي، فيبتسمون في وجهي، ويضعون ذات الواحد والصفر في خانة السلوك والانضباط من دفاتر تفقدهم.

إلى الأصدقاء الذين كانوا يتشاجرون خارج أسوار المدرسة.. اعتذر عن النظرة الشيطانية التي كنت أرسمها في مخيلتي عنكم، اعتذر عن كل مرة لم ألق فيها حقيبتي، وأمرغ أنوفكم في التراب، ثم نضحك في طريقنا إلى المنزل، وقد تلوثت ثيابنا النظيفة بشيء من شقاوة الطفولة الجميلة.

إلى كل شخص كان يراني صامتاً وهادئاً فيقول: كم أنت آدمي ومهذب.. أعتذر أني لم أصرخ في وجهك يومها، وأخبرك أن الآدمية لا تنحصر في صمتي وهدوئي، أعتذر عن كل مرة مدحت فيها صمتي ولم أخبرك فيها أن ذلك المدح هو أكبر ذم ممكن أن تلحقه بمخلوق في تلك المرحلة.

إلى كل تلك الكلمات التي لم أنطق بها.. أعتذر ألف مرة عن كل مرة كتمت فيها صوتك، ولم أسمح لك بالكلام.

إلى كل مدير جلسة في اجتماع أو ورشة تدريبية أكتم فيها صوت الميكرفون في هاتفي النقال.. أعتذر عن كل مرة تلعثمت فيها أثناء حديثي، عن كل مرة لم أستطع أن أجمع فيها كلماتي في جملة صحيحة، تعبر عن الفكرة التي أريد أن أتحدث عنها، عن كل مرة لزمت فيها الصمت، وفي داخلي بركان يغلي من الكلمات، التي لا أستطيع أن أتكلم بها بطلاقة مثل الجميع.

إلى آدميتي.. أعتذر عن هذا النص الذي عندما ستقرئينه سينكسر قلبك، وتدمع عينك، لكنها كلمات أبت إلا أن تكون حرة، وتصرخ في وجهك: تباً لك سائر الحياة.

إليك أيها القارئ الجميل.. ممتن لقراءتك ألف كلمة لم تستطع أن تحادثك وجهاً لوجه، فأرسلت إليك رسائلها عبر هذا النص، ممتن لك كثيراً، أنت ولسانك الذي يستطيع أن يقرأ كل تلك الجمل دون أن يتلعثم.

دمت بخير، وعلى أمل اللقاء بك في نص آخر.

أضف تعليق