من بين كل الذكريات التي تتزاحم أماكنها في رفوف الذاكرة، ينبثق شعاع جميل من قناديل صغيرة تحملها ذكريات رمضان، تمشي بها في أزقة الذاكرة، مهنئة كل من يمر بها: رمضان مبارك علينا وعليكم.
رمضان، اسم جامع لكل أنواع الخير، سكنية تهبط من سماء الله، وتبسط أجنحتها لتملأ ما بين السماء والأرض، روح جديدة تنفَخ في أجسادنا المرهقة، تحت وطأة الحياة المادية التي نصارعها كل يوم، ثلاثون يوماً تحمل في ساعاتها لذة وحلاوة لا مثيل لها، تماماً كتلك التي تشعر بها عند إفطارك في أول يوم صيام، على تمرة صغيرة، تسري بحلاوتها في جسدك، وتصل إلى قلبك الذي ينبض بطريقة مختلفة، لا تشبه طريقته في سائر الأيام، فينطق لسانك: ثبت الأجر إن شاء الله.
هنا في بلاد المغترب، تحملني تلك الذكريات، إلى أسواق الليلة الأولى من رمضان، إلى شوارع مدينتا قبل عشر سنوات، ترميني في زحام الوجوه المبتسمة، التي تنتشر في كل الأرجاء، تبتاع تمراً وعرق سوس، طحيناً وخميرة لمعجنات الإفطار، عصيراً من كل الألوان، تمر هندي، قناديل صغيرة بألوان مختلفة، وأشياء كثيرة، تظنها في ذلك اليوم قطعاً أثرية معروضة في متحف الليلة الأولى، يحملها الناس إلى بيوتهم، برفق ولين، وكأنهم يشاركونها تلك السكينة التي تسري في نفوسهم، وفي نهاية السوق ترى طفلاً تظنه ملاكاً سقط من السماء، يلبس ثوباً أبيض، يسمونه في بلادنا “جلابية”، يضع فوق رأسه “طاقية” مزركشة، يمسك بيد أبيه الذي يحمل أكياساً سوداء كبيرة، يوزعها على المحتاجين من أهل حيّه، فيهمسون له من خلف الأبواب بدمعة ساخنة: الله يرزقك ويخلف عليك.
تلك الوجوه المبتسمة، ستراها في اليوم التالي، مصطفة أمام أفران “معروك رمضان”، وإن كنت من بلاد الشام، ستغمض عينيك عند قراءتك لكلمة “معروك”، ستغمض وتستنشق كل الهواء الذي يدور بجانبك، علّ رائحته الزكيّة تتسل إلى أنفك، من قرصه الذي ارتسم في مخيلتك، بلعمته البديعة، التي تتراقص فوقها حبات البركة، وقطع جوز الهند الصغيرة، فيتمتم لسانك: يا سلااااام.
على مائدة اليوم الأول، سترى أطباقاً كثيرة، فيها ما لذّ وطاب، من طعام الأمهات الذي نفتقده هنا بعيداً عن الديار، وحوله عائلة كاملة، تنتظر مدفع الإفطار وأذان المسجد، سترى الأب جالساً عند رأس المائدة، يمسك بسبحته الخشبية، يذكر الله في ساعات الإجابة، وعلى جانبيه أولاده، وبناته، مع أزواجهم وأولادهم، شجرة العائلة تنبت فوق تلك المائدة الجميلة، ينظر الأب في ساعته القديمة، ثم يتفقد الوجوه من حوله: أين أمكم وأخوكم الأصغر؟ ، سيحضرون بعد دقائق، فالأم وكما العائدة مشغولة في المطبخ بتجهيز أطباق “السكبة” لجيران الحي، والابن الأصغر هو الذي يحمل تلك الأطباق إلى بيوتات الحي القريبة، ويضع في جيبه ثلاث حبات من التمر، كي يفطر عليها إذا أذن المؤذن وهو في طريق العودة المزدحم بالأطباق، التي تطوف البيوت، ولا تعود فارغة يوماً، تحمل إلى مطابخنا رسائل الجيران: عيب يرجع الصحن فاضي.
في المساء تجتمع العائلة، بعد صلاة التراويح، لتجلس في حديقة البيت الصغيرة، تشرب عصائر ملونة، قهوة وتمراً، شاياً معتقاً، وتثرثر بأحاديث وقصص لا يزال صداها يتردد إلى اليوم في أقبية الذاكرة، ليقاطعها قبل منتصف الليل صوت كبير العائلة: عن أذنكم، بدي نام حتى أصحى قبل السحور، وصلي ركعتين.
أشتاق تلك الأيام أكثر من أي شيء آخر، أشتاق تلك الوجوه المبتسمة، أشتاق معروك رمضان المحشو بتمر المدينة، وأطباق السكبة التي كنت أحملها طفلاً إلى جيران الحي، إلى أظرفة العصير التي نفرغها في الماء لتلون أيامنا الباهتة، إلى مجلس عائلتي الكبيرة، وصراخ الأطفال وهم يلعبون في كل مكان، إلى وجه أبي الذي ينير مائدة الإفطار والسحور، وصوته الندي في صلاة التراويح، ويد أمي التي تمسك مصحفها السميك، وتقرأ: “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”، أشتاق إلى رمضان بنكهة مدينتنا، وسكينة بيتنا الصغير، وحالي كحال كل من يقرأ هذه الكلمات وهو بعيد عن عائلته، ولا عزاء له في ذلك البعد، إلا الذكريات الجميلة التي تشاركه إفطار اليوم الأول، وتقاسمه حبة التمر التي تعيد إليه الحياة من جديد.
أحيانا الله وإياكم لأمثال هذا الشهر الفضيل، وأعاننا فيه على الصيام والقيام، وأكرمنا بيوم تجتمع فيه كل عوائلنا في بيوتها الصغيرة، تنتظر مدفع الإفطار، لتشرب ماءً يروي عطش هذه الأيام، وتدعو: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله.