فراقان وعودة واحدة

عند كتابتي لهذا العنوان، علمت أن جهداً بالغاً يجب عليّ أن أبذله حتى أصل إلى نهاية نصِّه، لأنه سيحمل إلى القارئ مشاعر قديمة لازلت تحفر في الذاكرة أخاديد الفراق، فتسيل فيها أنهار الشوق، في تحت سماء دنيا المشاعر التي تختبئ خلف صدورنا.

حين تتأمل في عالم المشاعر والذكريات المرتبطة بها -في الغالب-، ستصل إلى نتيجة واحدة، يمكن لنصف الكوكب أن يجمع عليها، وهي أن الذكريات السعيدة وما تحمله من مشاعر جميلة، تظهر وتختفي سريعاً، تماماً كشهب السماء، التي نرقبها من الشرفات في ليلة صافية، أما تلك المؤلمة، فهي كصخرة سيزيف، نحملها طيلة أعمارنا، ونتجرع مرارتها في كل مرة تهرب فيها من أقبية الذاكرة، لتقض مضاجعنا.

في صغري، لم أكن أعرف معنىً لكلمة مشاعر، كل ما أعرفه يومها هو تلك الطمأنينة السماوية التي كانت تغمرني حين تجدني قرب أمي، وتتحول – تلك الطمأنينة – إلى ضيق يكتم الأنفاس حين أبتعد عنها، لذلك كنت دائم الملازمة لها، لدرجة أني كنت أنتظر خروج أبي إلى عمله، حتى أتسلل من سريري وأحشر نفسي في سريرها، وأستيقظ بعدها على مواء قطتنا الجائعة – مثلي -، وهي تنتظر أمي أن تسكب لها الحليب في إنائها الصغير، وهي تعد طعام الإفطار لي ولها.

عندما كبرت قليلاً، وأصبحت أذهب إلى المدرسة عام 1999، كان أجمل شيء في يومي تقبيلي لكف أمي، والاستمتاع بابتسامتها الجميلة قبل أن أخرج من البيت متوجهاً إلى المدرسة، لم أتساءل يوماً ما سر تلك المشاعر التي يسكبها ذلك الموقف في قلبي، لتسري في أوصالي، وتجعلني طيلة غيابي عنها سعيداً، ربما كان السر في عودتي بعد ساعات لأكون بقربها من جديد، وأتأمل شفاهها حين تتمتم قارئة في مصحفها الكبير، وأحاول سرقة نظّارتها البنية حين تسنح لي الفرصة.

بعد أربع سنوات، مرضت أمي مرضاً شديداً، عجز أطباء المدينة التي نقطنها عن تشخيصه بدقة، وأصبحت خزانة دوائها تمتلئ بالعقاقير الطبية يوماً بعد يوم، كنت أكره تلك الخزانة كثيراً، ففي كل مرة أناولها علبة دواء، أقرأ في ملامح وجهها عدم استساغتها له، وتألمها تحت وطأة التراكيب الكيميائية التي أصبحت تضعف قوتها، وتنحت في جسمها.

كنت أرفع كفّها لأضعه فوق رأسي ووجهي، كعادتها قبل أن ينهكها المرض، فتنظر في عيني، محاولة حبس دمعة ساخنة، تأبى إلا أن تسيل على وجنتها، أمسحها مستغرباً، أمي تبكي؟ لماذا؟ ما الذي استبدل ابتسامتها الجميلة بهذه الدمعة التي لا أعرف سببها، دمعة واحدة كانت كفيلة بإغراقي في بحر من المشاعر المتلاطمة، التي لا أجد تفسيراً لها، كنت صغيراً، ولا طاقة لي بإدراك كل ذلك الألم المحيط بي وبها.

بعد تمكن المرض من جسمها، وعجز الأطباء عن تشخيصه وعلاجه، قرر أخي الأكبر أن يصحبها إلى مكة، لتطوف بالبيت الحرام، وتدخل أحد المستشفيات الجيدة هناك، ذهلت يومها، كيف؟ كيف تسافر بعيداً، وأبقى أنا هنا، وحيداً بدونها، لم أستطع تصديق ذلك كله، إلى أن أتى يوم الرحيل، خرجت مع أبي لأودعهم، كان قلبي يومها يرتجف كطفل يقف بجسده في مهب رياح تشرين الباردة، جذبتني إلى صدرها في ضمة لا أنسى تفاصيلها حتى اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمات، سكن الطفل المرتجف بين جنبي لحظة، ثم قفز من صدري عندما صعدت أمي إلى الحافلة، التي ستقطع بها آلاف الأميال قبل وصولها إلى مكة.

بقي قلبي صاعاً في رحل أمي يومها، وعدت إلى البيت في حالٍ كحال يعقوب، أجد ريح أمي دون أن أجدها، كان ذلك فراقنا الأول، دام تسعة أشهر وعشرة أيام، مقدار كل يومٍ منها كسنة من أيام الدهر في غيرها، فالزمان أصبح كسلحفاة تضرب أطرافها في رمال الشاطئ دون أن تجاوزه مكانها إلى مياه البحر، أستيقظ كل يوم صباح لوحدي، ألبس زي المدرسة، أرتب كتبي، وأخرج من البيت، دون القبلة التي كانت تبقيني طيلة يومي سعيداً، دون أمل بلقاء أمي حين أعود من المدرسة، دون طعامها اللذيذ الذي تعده كل يوم، أصبح كل شيء غريباً، سريرها الذي كنت أتسلل إليه لم يعد كسابق عهده، أزهار حديقة منزلنا صارت تلوي أعناقها وتذبل، حتى قطة البيت أصبحت تمضي يومها ساهمة أمام باب غرفة أمي، تنتظر أن تخرج لتسكب لها الحليب في إنائها.

ذات مساء وبينما كنت أكتب واجبات المدرسة، سمعت أبي يتكلم مع أحدهم على الهاتف، وأتم مكالمته بعبارة: تصلون بالسلامة، أطبقت دفاتري، وكسهم خرج من قوسه أسرعت إليه، وسألته: هل سيأتينا ضيوف؟ أم أن ….، قبل أن أكمل أجابني بابتسامة: أمك عائدة، ياااااه أمي؟ عائدة إلى المنزل؟ العبارة التي كنت انتظرها منذ شهور، عاد قلبي يخفق من جديد، ورحت أطوف على كل شيء في البيت كان معتاداً على وجود أمي لأخبره أنها عائدة، سريرها، أزهار الحديقة، القطة، مصحفها الكبير، كل شيء، عدا خزانة دوائها التي أمقتها، وسهرت يومها على غير عادتي إلى بعد منتصف الليل، منتظراً أترقب، لا أريد سوى أن أرى وجه أمي، أقبله، ثم لا فرق عندي إن خسفت الأرض، أو قامت القيامة.

رحت أعد الخطوات جيئة وذهاباً، وأنا أدور في مدخل بيتنا، أنتظر الباب أن يقرع لأفتحه، تأخروا كثيراً، فغفوت على درجة كانت قرب الباب، لتوقظني طرقات ثلاث عليه، في الساعة الثانية والنصف، إنها أمي، فتحت الباب ليشرق لي وجهها بعد غياب كل تلك الشهور، هممت أن أرتمي في أحضانها، لكني استيقظت على صوت أخي وهو يوقظني لأنام في غرفتي، فأمي لن تصل قبل التاسعة صباحاً، وكل ذلك كان حلماً.

استيقظت في التاسعة على صوت جلبةٍ في البيت، قفزت من مكاني لأرى ما يحدث، وصلت أمي، لكنها غير قادرة على المسير لوحدها، فتخطو مستندة إلى إخوتي خطوات بطيئة ومتعبة، بجسمها الذي أصبح نحيلاً، ووجهها المرهق بطريقة لم أعهدها من قبل، وظننت لهولة أنها سافرت قبل تسع سنوات، وليس تسعة أشهر، فمحال أن تبلغ ذلك الكبر والتعب في تسعة أشهر فقط، ذلك المشهد كان كفيلاً بتفتيت كل الحماس والفرحة التي كنت أنتظرها شهوراً، وعلمت بعدها أن مرض التهاب الكبد الوبائي قد تمكن من جسدها، وعلينا أن نبقي مسافة أمان بيننا وبينها، كي لا نصاب بالعدوى، أما خزانة الدواء المقيتة، فقد امتلأت بعقاقير وحقن جديدة لا أحفظ أسماءها.

أصبحت أجلس قربها كلما سنحت لي الفرصة، أتأمل تفاصيل وجهها المتعب، تجاعيد كفها التي أصبحت مليئة بغرزات الإبر وكدمات الدماء، أستمع لأناتها وأوجاعها التي تفطر القلب، ثم تعيد تجميعه لتفطره من جديد، أنظر في أنبوب العلاج الذي تنزلق قطراته من كيس معلق فوق رأسها، أرجوه أن لا يزيد من معاناتها، ثم أنظر إلى السماء، أبحث عن فرجة يصل منها الدعاء إلى الله، أغمض عيني على دموع تكوي فؤادي، وأناجي الله: يا رب أسألك بحرقة هذا القلب الصغير، الذي لا يحتمل أن يرى أمه تتألم أمام عينيه، أسألك بكل أسمائك وصفاتك أن تخفف عنها، وترفع هذا البلاء.

مضت سنة كاملة على تلك الحال، لا أجد النوم ليلاً وأنينُها يملأ البيت برمته ألماً، نلتف حولها فترجونا كطفل صغير، ترجو قليلاً من الملح لتضعه في طعامها الذي أصبحت تتناوله دون ملح، لأن ذرة ملح واحدة كانت كفيلة بألم يفتت جسدها طيلة شهر كامل، كانت ترجونا واحداً تلو الآخر، رشة ملح واحدة فقط، أرجوكم ، وتبكي، تغطي وجهها وتبكي، هل تعلم وطأة ذلك الشعور الذي يسمى عجزاً أو قهراً، سمِّه ما شئت، أن ترجوك أمك باكية شيئاً لا تستطيع أن تقدمه لها، وهو بين يديك، وتتمتع به صباح مساء، هل تدرك ألم ذلك في قلبك، إنه تماماً كيدٍ تغرز في قلبك خنجراً، ثم تحركه يميناً وشمالاً، وأشد من ذلك كله حين تستفيق من إحدى غيبوباتها التي تمتد لأيام طويلة، تنظر في وجوهنا، ثم تغطي رأسها ووجهها، تسألنا من أنتم؟ وأين أنا؟ نحن أبناؤك يا أمي، في بيتك يا قرة العين، تبكي، لا تستطيع التعرف إلينا، أي فاجعة تلك يا رب، هل تخيلت يوماً أن تقف أمام أمك فتسألك من أنت؟، وهي حقاً لا تستطيع أن تتعرف إليك!

في صباح الخميس الرابع من حزيران عام 2005، خرجت من غرفة أمي بعد ليلة طويلة قضيتها في جوارها، وكنا نتناوب أنا وإخوتي في المكوث عندها ليلاً، ففي كل ليلة يجلس أحدنا في جوارها حتى الصباح، يؤنسها ويرعى شؤونها، وكانت تلك الليلة من نصيبي، فصعدت إلى غرفتي أرتاح قليلاً، لأستيقظ بعد عدة ساعات وقد انفجرت أحداقي بالبكاء، لم أكن أدري حقاً ساعتها ما الذي يجري، ولم خيم عليّ كل ذلك البكاء فجأة، غسلت وجهي، صليت الظهر، ثم نزلت إلى غرفة الجلوس، لأجد العائلة كلها مجتمعة أمام باب غرفة أمي، ما الذي يحصل، انفتح باب الغرفة، وخرج طبيبها، فتبادرت الأسئلة إليه : بشّر دكتور، أطرق ثم قال في هدوء: البقية بحياتكم، مسكت بأصابع يد أخي الأكبر، جذبته وسألته: شو يعني البقية بحياتكم؟ شو عميحكي الدكتور؟، ثم انسللت من بين الجميع لأدخل الغرفة، معترضاً كل المحاولات التي تمسك بي، اقتربت منها خائفاً، سألتها: ماما ليش مغطية وجهك؟ فلم تجب، مددت يدي لألامس أصابع يدها وإذ برعدة تسري في أوصالي، لماذا كفك باردة هكذا يا أمي، ولماذا كلما حاولت رفعها تسقط لوحدها، أكرر المحاولة مرات عديدة، وشريط ذكريات الطفولة يمر بي، لأتذكر سقوطي في كل مرة تحاول أن تعلمني فيها الوقوف، وفي كل مرة تحملني لنبدأ من جديد، أهز يدها: ماما شو يعني البقية بحياتكم؟، كنت قادراً على استيعاب كل شيء، عدا فكرة أنها قد فارقت الحياة، ظننتها دخلت في غيبوبة جديدة، وستستيقظ بعد قليل، كنت أمني نفسي بأمنيات لن تتحقق، ولم أدرك ذلك إلا عند أول حفنة تراب رميت على جسدها، الذي أنزل في حفرة عميقة من الأرض، لقد ماتت أمي.

أغلقت أبواب السعادة الحقيقية التي كانت أمي تفتحها في وجهي كلما أغلقت الحياة أبوابها، وكان فعل ماض ناقص وعاجز عن الإلمام بمعاني تلك السعادة، وحصرها في كلمات تعبّر عنها، كان ذلك فراقنا الثاني، والأخير كما أخبرني أبي، فراق مضى عليه خمس عشرة سنة وأحد عشر شهراً وثمانية أيام، ولم تعد أمي بعد.

لا توجد آراء بشأن "فراقان وعودة واحدة"

اترك رداً على B إلغاء الرد